لماذا أخفى الباجي قائد السبسي اتّخاذه هذا القرار الهام ؟

في الكتاب الذي نشره مؤخرا في باريس “تونس.. الديمقراطية في أرض الإسلام”، كشف الباجي قائد السبسي عن قرار كان قد اتّخذه وبقي مخفيا ومسكوتا عنه الى حدّ نشر الكتاب ولم يحظ حتى هذه الساعة باهتمام الملاحظين، في الصفحة 83 من الكتاب يقول رئيس الجمهورية بالحرف الواحد ردّا على سؤال يتعلق بدخول الدعاة الوهابيين الى تونس ونشرهم للسلفية المتطرفة: “منعنا من يقدمون أنفسهم ككبار الدعاة وكبار فقهاء الاسلام من الدخول الى تونس. كنا استقبلنا قبل هذا المنع أيمة جاءوا من الخليج يحرّضون فتيات عمرهن 3 سنوات على لباس النقاب. أمثال هؤلاء الظلاميين لن يعودوا أبدا الى تونس”.

هذا القرار، الذي أعلن عنه قائد السبسي في كتابه الأخير مع الصحفية الفرنسية المخضرمة، أرلات شابو، لم يُكشف حتى الآن، بشكل رسمي او غير رسمي، من مؤسسة رئاسة الجمهورية أو أي من الأحزاب الحاكمة وعلى رأسها نداء تونس.

ويثير القرار بأهميته تساؤلات عدّة منها أسباب اخفائه وتوقيت وكيفية اتخاذه (هل كان قرارا شخصيا ام بمشاركة الحلفاء في الحكم؟)، وهل كان إعلانه في الكتاب الذي صدر بالعاصمة الفرنسية “للاستهلاك الخارجي” فقط، ولطمأنة الرأي العام الدولي؟

كل هذا يتطلب توضيحات من رئاسة الجمهورية حول خفايا اتخاذ مثل هذا القرار.

جدير بالذكر ان تونس شهدت خلال فترة حكم الترويكا “حملة” دينية “وهابية” غير مسبوقة في تاريخها، كما أورد ذلك الأستاذ الجامعي فرج بن رمضان في كتابه “تلقي الوهابية في تونس” الصادر سنة 2013.

وتمّ ضمن هذه “الحملة” تأسيس جمعيات دينية “تسابقت في استقدام الدعاة الوهابيين من السعودية ومصر وقطر وغيرها”، وإحداث مدارس ورياض أطفال “قرآنية” وتحطيم وحرق أضرحة ومزارات صوفية وهي “ممارسة نوعية مميزة للوهابيين” وفق بن رمضان.

ولعبت حكومة “الترويكا” التي قادتها حركة النهضة “دورا فعالا وأساسيا” في “التدشين الذهبي للحضور الوهابي في تونس” حسب بن رمضان الذي اعتبر أن “الحملة الوهابية على تونس صارت جزءا من صفقات التعامل بين حكامها وحكام الخليج”.

ولفت الكاتب في هذا الخصوص إلى استقبالات و”تشريفات” رسمية حظي بها “دعاة الوهابية” عند حلولهم بتونس، مثل الكويتي نبيل العوضي الذي زار تونس في جانفي 2013 واستقبله بقاعة الشخصيات الرسمية بمطار تونس قرطاج الدولي عماد الدايمي وكان وقتئذ مدير ديوان الرئيس المنصف المرزوقي.

وأطلق نبيل العوضي خلال زيارته تلك مشروع “المحجبات الصغيرات”، وقد صلّى وراءة في جامع الفتح نور الدين الخادمي وكان وزير الشؤون الدينية في ذلك الوقت.

وكشفت وزارة الداخلية يوم 28 أوت 2013 أن شكري بلعيد اغتيل لانتقاده مشروع “المحجبات الصغيرات”. ويومها أعلن مصطفى بن عمر وكان مدير الأمن العمومي في ندوة صحفية أن الّإرهابي كمال القضقاضي “قرر” بعد مشاهدة برنامج تلفزيوني شارك فيه بلعيد “إعطاءه الأولوية ضمن قائمة الاغتيالات الموجودة لديه”.

وقال بن عمر إن القضقاضي الذي ينتمي إلى جماعة “أنصار الشريعة” الإرهابية “طلب الإذن” لاغتيال شكري بلعيد من زعيم الجماعة سيف الله بن حسين “أبو عياض” وأن الأخير  “أفتى” له باغتياله.

وكان الشهيد شكري بلعيد قد انتقد بتاريخ 28 جانفي 2013 خلال مشاركته في برنامج “التاسعة مساء” على قناة “التونسية” زيارة الداعية الكويتي نبيل العوضي الى تونس وإطلاقه مشروع “المحجبات الصغيرات”.

وطالب بلعيد يومها السلطات بـ”منع هؤلاء (الدعاة) من دخول بلادنا لأنهم يلوثونها ويستهدفون هويتنا” قائلا إن تونس “فيها كوكبة (من شيوخ الدين) آخر واحد فيهم يعلم هذا الشيخ ومن شيّخوه”.

كما ندّد باستقدام “مجموعة من الدجالين إلى تونس لبث ثقافة غريبة عن هويتنا” وبـ”الغزو الوهابي الآتي من بعيد ومن (منطقة) البترودولار”.

ويرى الأستاذ الجامعي فرج بن رمضان في كتابه “تلقي الوهابية في تونس” أن “الحملة” الوهابية على تونس تهدف إلى “القضاء” على ما تحقق في البلاد من”مكاسب تحديثية” أهمها “تحرير المرأة” و”القراءة العقلانية الحديثة للدين الإسلامي”.