96 % من الأحزاب التونسية ترفض الكشف عن مصادر تمويلها ونفقاتها

تصر غالبية الأحزاب التونسية على التهرّب من تقديم تقاريرها السنوية المتضمنة لكشف مفصّل لمصادر تمويلها ونفقاتها إلى دائرة المحاسبات. إذ لا يزال 197 حزبا من مجموع 205 بعيدا كل البعد عن التحلي بالشفافية في معاملاتها المالية رغم تنصيص المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية على إمكانية مواجهة هذه الأحزاب لعقوبات قانونية تصل حد حلّها بحكم صادر عن المحكمة الابتدائية جراء رفضها رفع تقاريرها السنوية الى الجهات الرقابية.

فقد اكتفت 8 أحزاب فقط بتقديم تقاريرها المالية السنوية الى دائرة المحاسبات الى حدود 31 ديسمبر 2016، وذلك من مجموع 205 حزب حاصل على تأشيرة العمل السياسي، كما تشير الى ذلك مراسلة حصلت عليها أنا يقظ من دائرة المحاسبات.

افلات من العقاب وأحزاب لا تعترف بالشفافية المالية

وتتمثّل الأحزاب الثمانية التي افصحت عن تقاريرها المالية في حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والحزب الليبرالي المغاربي – الذي أصبح فيما بعد الحزب الجمهوري المغاربي – وحزب المحافظين التونسيين وافاق تونس ونداء تونس والمؤتمر من اجل الجمهورية والتيار الديمقراطي وحركة تحرير العمل. ويبرز الجدول الآتي عدد المرات التي التزمت فيها هذه الاحزاب بتقديم تقاريرها المالية السنوية:

الأحزاب التونسية التي كشفت عن مصادر تمويلها ونفقاتها من 2011 إلى 2016

هذا الالتزام الحزبي بالشفافية المالية الذي لم يتجاوز 4 %، كشف أيضا عن عدم التزام أي حزب سياسي بتقديم كل التقارير المالية طيلة سنوات 2011 و2012 و2013 و2014 و2015، بل غابت كل الأحزاب الكبرى عن قائمة الاحزاب الأكثر التزاما بالإفصاح عن مصادر تمويلها واوجه انفاقها، بما ان الحزب الليبرالي المغاربي الذي غيّر اسمه فيما بعد الى الحزب الجمهوري المغاربي هو الأكثر تصريحا بتقاريره المالية (4 تقارير).

الملاحظ أيضا ان معظم الأحزاب الممثلة في مجلس نواب الشعب كحركة النهضة والوطني الحر وحزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد والتيار الشعبي، بالإضافة الى أحزاب أخرى ناشطة خارج المجلس، على غرار حزب المسار وحزب الجمهوري وحزب التحرير وحركة الشعب وحركة وفاء والتكتل الديمقراطي وتيار المحبة.. لم تقدم تقاريرها المالية الى الدوائر الرقابية الى حدود 31 ديسمبر 2016.

أبرز الأحزاب التونسية التي لم تكشف عن مصادر تمويلها ونفقاتها من 2011 إلى 2016

مرسوم غير مُفَعل

ينص الفصل 27 من المرسوم عدد 87 المنظم لعمل الأحزاب السياسية على ان “يقدم كل حزب تقريرا سنويا يشمل وصفا مفصلا لمصادر تمويله ونفقاته الى دائرة المحاسبات”،كما تخضع القائمات المالية للحزب السياسي لتدقيق سنوي من قبل مراقب او مراقبين اثنين يتم اختيارهما من جدول هيئة الخبراء المحاسبين، وذلك حسب قيمة الموارد المالية المتوفرة للحزب، وذلك وفق الفصل 26 من ذات المرسوم المتعلق بتنظيم عمل الأحزاب.

ينص هذا الفصل أيضا على ضرورة رفع هذا التقرير الرقابي للمعاملات المالية للحزب الى لجنة يترأسها الرئيس الأول للمحكمة الإدارية وبمشاركة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف ورئيس هيئة الخبراء المحاسبين، بالإضافة الى الوزير الأول (رئيس الحكومة). هذه اللجنة بدورها تعمل على المصادقة على هذا التقرير او رفضه.

وتتراوح العقوبات المفروضة على الأحزاب الرافضة للكشف عن تقاريرها المالية او غير المصادق على تقاريرها المالية بين رسالة تنبيه ممضاة من قبل الوزير الأول قصد إزالة المخالفات المرتكبة أو تعليق نشاط الحزب او حتى حله إذا تمادى في ارتكاب المخالفة.”

هنا يعني ان اغلب الأحزاب التونسية بما فيها حركة النهضة او حركة نداء تونس او حزب الاتحاد الوطني الحر او حزب التكتل من اجل العمل والحريات او حزب المؤتمر من اجل الجمهورية او حزب الجمهوري او المسار أو العمال، كانت في عداد الأحزاب التي تواجه اجراءات قضائية من قبيل تجميد النشاط او حتى الحل لو سبق لرؤساء الحكومات المتعاقبة ان التزموا بما ينص عليه المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المؤرخ في 24 مارس 2011 والمتعلق بتنظيم عمل الأحزاب السياسية.

تمويل الأحزاب واللجنة المعطلة

وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان، التي تم تكليفها مؤخرا بملف الأحزاب بعد ان كان على ذمة الكتابة العامة للحكومة، اشارت في اتصال جمع أحد اطاراتها بأنا يقظ، الى انها قد تسلمت الملف الحارق للأحزاب بعد امر حكومي صادر في مارس 2016، لتبادر مصالحها بمراسلة كل الأحزاب البالغ عددها ما لا يقل عن 205 حزبا، طالبة منها تسليمها تقاريرها السنوية بالإضافة إلى كل التغيرات التي طرأت على انظمتها الأساسية وتركيبة هيئاتها السياسية والمركزية بالإضافة إلى سجلات المنخرطين. هذا وتسجل منظمة أنا يقظ افتقاد هذه الوزارة للإمكانيات البشرية والمادية اللازمتين للقيام بمهامها الجديدة على أحسن وجه.

كما أشار نفس المصدر الى مطالبة وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان بتفعيل دور اللجنة المعنية بقبول التقارير الرقابية للمعاملات المالية للأحزاب والمكونة من الرئيس الأول للمحكمة الإدارية والرئيس الأول لمحكمة الاستئناف ورئيس هيئة الخبراء المحاسبين والتي لم تبدأ إلى حد الآن العمل بشكل فعلي منذ سنة 2011. بالإضافة إلى مطالبة وزير المالية بالمصادقة على المعايير المحاسبية الخاصة بالأحزاب السياسية، الأمر الذي لازال معطلاً كذلك منذ 20111.

هكذا اذن وبنسبة لم تتجاوز 4%، يبقى التزام الأحزاب السياسية بالتصريح بتقاريرها المالية ضعيفا جدا ومخيبا للآمال وباعثا على الحيرة إزاء استهتار حزبي وسياسي بمبادئي الشفافية والنزاهة في معاملاتهما المالية، وعلى مرآ من رؤساء الحكومات المتعاقبة، ما قد يشكل سببا أخر لعزوف التونسيين عن المشاركة في الانتخابات واختيار ممثليهم ما دامت الضبابية تخيم على مصادر تمويلهم.