وزارة التربية تنفذ خطة وطنيّة لمرافقة المؤسسات التربوية ذات النتائج المتدنية في باكالوريا 2016

تعكف وزارة التربية منذ أشهر على تنفيذ الخطة الوطنية الرّامية إلى مُرافقة المؤسّسات التربويّة ذات النتائج المتدنية في امتحان باكالوريا 2016 والتي تمتدّ على ثلاث سنوات، وتتمثّل في تكليف السّادة المتفقدّين العامّين للتربية والمستشارين العامين للإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي بالتحوّل ميدانيّا إلى جميع المؤسسات المعنيّة وعددها 52 موزعة على 12 ولاية من أجل الإسهام في بناء مشروع تربوي خصوصي ينخرط في تنفيذه فريق متكامل من متفقدي المواد ومستشاري الاعلام والتوجيه ومديرين وأساتذة ومربين بالتنسيق مع السّلط الجهويّة والهياكل ذات العلاقة ويتعهّد برصد أهمّ الإخلالات المتسبّبة في تدني نتائج الباكالوريا بالنّسبة الى هذه المؤسّسات التربوية والعمل في مرحلة ثانية على تطويقها والتقليص من تداعياتها السلبيّة. ويمكن حوصلة أهم العوامل المتسبّبة بتدني نتائج الباكالوريا على النحو الموجز التالي:

أولا : أسباب متصلة بالموارد البشريّة : عدم استقرار المدرسين في المعاهد الموجودة بالجهات الداخلية، العمل بصيغة النيابات الدائمة الذي تبلغ نسبتها الثلث في بعض المندوبيّات، تكليف بعض الأساتذة بتدريس الأقسام النهائية رغم عدم خبرتهم أو إعدادهم المسبق لهذه المهمة نظرا لنقص إطار التدريس المتمرّس…

ثانيا : أسباب متصلة بالإطار الإداري : النقص في عدد الإداريّين وأعوان المخابر والقيمين والعملة، ضعف دور المدير وتراجع مكانة الإدارة بصورة عامة بما ساهم في إشاعة مناخ من الفوضى والتسيب والانحلال وعدم تثمين قيمة العمل وتأدية الواجب في كثير من المؤسّسات التربوية، غياب روح المبادرة لدى أغلب المديرين في مواجهة الصعوبات التي تواجهها المؤسسة التربوية التي يشرفون على حظوظ النجاح فيها…

ثالثا : أسباب متصلة بالتكوين المستمر ومتابعة أداء المدرسين : عدم استفادة عدد كبير من المدرسين من برامج التكوين المستمر، نقص في زيارات الارشاد والتفقد للمعاهد التي تشكو ضعف النتائج خاصة في ظل ارتفاع عدد المتربصين في بعض الجهات وخاصة في الجهات الريفية، التكوين المستمر غالبا ما يكون كميّا ولا يرتقي نوعيا الى انتظارات المدرسين

… رابعا : أسباب متصلة بالتوجيه والتربية على الاختيار : الضعف الحاد في نسب التأطير على المستوى الجهوي وغياب مرافقة فردية للتلاميذ وفق مقاربات التربية على الاختيار والمساعدة في بناء المشروع الدراسي والمهني للمتعلم، غياب خطط التدخل الوطنية والجهوية والمحلية في حقل الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي والاقتصار على تقديم المعلومات حول المسالك والشعب وآفاقهما، الارتفاع المطرد لعدد التلاميذ الموجهين الى شعبة الآداب والاقتصاد والتصرف والتراجع اللافت للشعب العلمية نظرا لتدني مستويات التلاميذ في المواد الأساسية التي تقتضيها هذه الاخيرة..

خامسا : أسباب متصلة بالحياة المدرسية: عزوف عدد هام من التلاميذ عن العلم والتحصيل، تخلي الاولياء عن متابعة منظوريهم، غياب فضاءات للمراجعة، تفاقم ظاهرة التغيب الجماعي للتلاميذ خاصة في فترات الامتحانات…

يبدو من خلال هذا التشخيص العام للعوامل المتسبّبة بتدنّي نتائج الباكالوريا في عدد كبير من مؤسّساتنا التربويّة أن هذه الظاهرة مُركّبة بشكل كبير وتتداخل فيها جملة من العوامل الموضوعيّة التي لا تستطيع المؤسّسة التربويّة لوحدها السّيطرة عليها أو الحدّ من آثارها السلبية. إن مستوى النتائج لمؤسسة تربوية مَا يحدّده أداء المدرسين داخل الفصول والمكتسبات القبلية للتلاميذ وطبيعة المناخ الدراسي العام داخل المدرسة ومستوى تطور التجهيزات والمخابر والبنية التحتية وظروف الإقامة بالنسبة الى المقيمين وصعوبات النقل…

وعدد آخر من المؤشرات الداخلية الخاصة بالتعلمات والبرامج ومناهج التدريس، لكن يبدو أن المؤشرات الخارجية المتصلة بــــ : –

قدرة العائلة على “شحن” أبنائها بواسطة “المنشّطات المدرسيّة” أي الدروس الخصوصية المكثفة والتي تصل الى مستويات خيالية من حيث حجم الانفاق وعدد الأساتذة الذين يتعهدون بنفس المادة في إطار مجموعة ضيقة جدا من التلاميذ، –

طبيعة البيئة العائلية والاجتماعية والثقافية التي يتربى ضمنها المتعلم بما توفره من محفّزات ونماذج مهنيّة للتماثل ورأسمال رمزي من اللغات والثقافة العامة، –

الأحواض البيداغوجيّة التي تُغذّي المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية والتي غالبا ما تتسبب في وجود معاهد يؤُمّها ابناء العائلات الفقيرة وأخرى يؤمُّها ابناء العائلات الميسورة بما يساهم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية ويَحُول دون اختلاط مطلوب يُحفّز على النّجاح – تدنّي مؤشرات التنمية في الجهات الداخلية عموما وارتفاع نسب الفقر فيها وضعف البُنى التحتيّة كلّها مؤشرات موضوعيّة تتدخل بصفة مباشرة في تحديد منسوب النجاح في الجهات وفي المؤسسات التربوية (وبالتالي صنع الفوارق بينها)، فعلى سبيل المثال تبدو جهة مدنين محظوظة نسبيا على مستوى نتائج الباكالوريا، لكن معاهد جربة تفوز بالقسط الأوفر من نصيب الولاية ونفس الشيء بالنسبة الى معهد قرطاج بيرصة بالنسبة الى ولاية تونس…

وبالتالي يُلحّ السّؤال : ما هو النصيب الذاتي للمدرسة من النجاح أو الفشل المدرسي ؟ وهل من حقّنا ألا نفعل شيئا أمام هول الفاجعة التربوية المسجلة في بعض الجهات وفي بعض المؤسسات التربوية ؟ وما هي مخططات الدّولة المؤتَمنة على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والتمييز الايجابي (وكل المبادئ الطموحة التي اقرها الدستور) في التقليص من آثار الحتميات الاجتماعية والثقافية المدمرة ؟ وإلى متى ستظل هنالك معاهد تونسية لا تتجاوز نسبة النجاح في الباكالوريا فيها الـــ 5 بالمائة ؟ وإلى متى ستظل جهات بأكملها لا تُوجّه ولو طالبا واحدا الى كليات الطب وباقي الاختصاصات الجامعية التي تُكوّن إطارات المستقبل وكفاءاتها العليا ؟ وفي كلمة : الى متى ستظل جيوب النجاح هي نفسها وجيوب الفشل هي ذاتها ؟

أمام هذا الواقع : ثمة رؤيتان أساسيتان : – إما إطلاق الشّعارات المنادية بضرورة اقامة منوال تنموي عادل والمناداة بالمدرسة المنصفة التي تتكافؤ فيها الفرص … وانتظار قطار التطور الشامل الذي قد يتأخر في المجيء. – أو استحضار مبدإ الطائر الطنّان le colibri الذي راح يحاول جاهدا نقْل بعض القطرات من الماء بواسطة منقاره البسيط اسهاما منه في إطفاء الحريق الذي استعر في الغابة. وعند سؤاله “ماذا دهاك وانت تنتفض لإطفاء حريق لن تقدر عليه كبرى الأمطار وسيول الماء؟ ” عندها أجاب الطائر الطنّان “أعلم ذلك لكنني أؤدّي نصيبي من الواجب“. واعتقادي أن هذه الخطة التي باشرتها وزارة التربية والمتمثلة في مرافقة المؤسّسات التربوية ذات النتائج المتدنية في امتحان باكالوريا 2016 لا تعوض مجهود الدولة وواجبها في ضمان بيئة تربوية سليمة تشجع على النجاح والتألق وتوقيف نزيف الهدر المدرسي في سياق تفعيل الإرادة السياسية التي يعلنها الجميع والمتمثلة في تهيئة السبل لانتهاج منوال تنموي جديد يوفر فرصا تشغيلية حقيقية أمام الطاقات العاملة ويوفر مناخا استثماريا يستوعب نسيجا اقتصاديا وصناعيا وخدميا يستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني ويقلص من منسوب البطالة الى ادنى مستوياتها.وإنما هي خطة يقودها أعلى ما تمتلكه وزارة التربية من كفاءات وخبرات من أجل تأمين المرافقة الفورية المباشرة للمؤسسات التربوية المعنية وتقديم الدعم اللازم على المستويات البيداغوجية واللوجستية والتربوية عموما حتى ترتقي النتائج على المدى المنظور الى مستوى الحد الأدنى المقبول. هذا بالإضافة إلى اقتناعنا بأن القدرة على تخطي عتبة الباكالوريا ليس حكرا على جهات دون أخرى أو معاهد دون أخرى أو تلاميذ تتلمذوا على أيدي أساتذة دون آخرين… فتلك كفاءة موزعة بشكل عادل بين الجميع شرط توفر عنصر الإرادة وتحييد العوامل الحافة قدر الإمكان. إن المعاهد الثانوية المرتبة ضمن الخمسين مؤسسة أخيرة على المستوى الوطني على امتداد ثلاث أو أربع سنوات متتالية لا يمكن ألاّ تكون الأسباب المتسببة بذلك معلومة ويُجمع كل المهتمّين بالشأن التربوي على تشخيصها…

ثمّة قوّة موضوعية تحول دون تحقيق نتائج أفضل فيها (ظروف الفقر الاجتماعي وكثافة عدد الاساتذة النواب وتردي ظروف الاقامة والإعاشة والنقل…) وبالتالي تكمن الحلول في اتخاذ إجراءات عميقة وانتهاج سياسات شاملة تُحدث نقلة نوعية داخل هذه الجهات. لكن في انتظار ذلك لن يقف أبناء التربية مكتوفي الأيدي أمام واقع هذه المؤسّسات التربويّة التي تتوفر على مقدّرات هائلة ومربين مقتدرين وأحلام كبيرة تحدو أبناءها وبناتها باتجاه بناء التصورات الكفيلة بتطوير النتائج ولو بشكل نسبي والانطلاق (الآن وهنا) في تفعيل توصيات الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية بضرورة التقليص من اختلال التوازن بين الجهات وتطوير مكتسبات التلاميذ في المناطق الداخلية وتجويد نتائجهم.