هذه كـــــــــرطوشة الشابي الاخيرة

بعد فترة من التروي تخللتها مراجعات تبدو سطحية وعابرة ، قرر نجيب الشابي العودة الى الساحة عبر رؤية تتبين تدرجيا من خلال تصريحاته الاخيرة لمختلف وسائل الاعلام ، ووفق مجمل المصرّح به فان الشابي يكرر نفسه بشكل حرفي في استنساخ لسلوك سياسي سابق ، فالرجل عاد ليؤكد على رجاحة توجه محسن مرزوق ويطلق عبارات الثناء حول الجبهة التي يسعى هذا الاخير لإنشائها، كما عبر عن استعداده للانخراط في صلبها ، ثم انه وبعد مراقبة عبارات الثناء الصادة عن الشابي ووجهتها وعبارات المشاغبة ووجهتها ، يتأكد ان القيادي المخضرم اختار شعار “عود على بدء” وانحاز الى مكونات اعتصام باردو وانخرط في مغازلتها وفتح آفاق التحالف معها ، كما اختار تجديد خصوماته مع مكونات الترويكا ، من هنا يمكن التأكيد ان خلوة الرجل وفرصة التأمل التي اعطاها لنفسه فشلت في اعادة بعثه من جديد ولم تزد على تثبيت خياراته السابقة واقصى ما في الامر انها اهدته الى المضي بلا تردد في استنساخ ماضيه الذي سقط به من الارقام الاولى لساسة تونس ما بعد الثورة ومناضليها ما قبل سبعطاش اربعطاش الى رقم سائب يتقدمه هواة مثل الرحوي وانس الشابي وامال موسى وقفراش ..وكأنّ الشابي يصر على تبذير ما تبقى من رصيده النضالي ويتعمد اتلاف ما تراكم لديه من ثقافة سياسية كنا نعتقد انها ستقوده الى ابعد مما هو فيه بكثير .

لم ينجح الشابي في اختيار الخندق المناسب ولم يجني الثمار التي يمكن ان يجنيها الخبير المحنك اللاهث خلف المناصب ، ولا هو انحاز الى مصلحة الثورة وعمل على تثبيت خيار الانتقال الديمقراطي ولو على حساب الحصاد والمكاسب ، لقد اصبح الرقم المهم في الساحة السياسية طوال عقود خارج معادلة قوى التغلب المالي الاعلامي ، كما انه ابعد ما يكون عن قوى الثورة المرابطة الرافضة لدنيّة مخلة ومذلّة ، وظل يراوح داخل مربعات باهتة بعيدة عن ساحة الفعل والتأثير ، ونحسب ان بقية باقية من الوقت مازالت امام المناضل المترنح ليحزم امره وينحاز الى خيار الشعب ، وربما في غياب حركة النهضة المشغولة بالتوافق والسلطة واكراهاتها ، استطاع برفقة المنصف المرزوقي والعديد من القيادات والهياكل المشفقة تشكيل احزمة تحمي الثورة وترافق التجربة بجرأة وانتباه لتحميها من شبح المصرنة ، إذْ لا يمكن الخوف على تونس من المصير الليبي اليمني السوري لأسباب ثقافية فكرية ولتباين واضح في الخصائص الديمغرافية..

يمكن جدا لمحمد نجيب الشابي ان يتجنب العمليات الحسابية الشاقة خاصة بعد ان اثبت انه يعاني من ضعف بائن في الرياضيات ، يمكنه ان يتخلص من الاستغراق في “التكنبيص” ويستجمع ما تبقى من سنوات عمره لينثرها في رحم ثورة استثنائية اسهم قديما وحديثا في تحشيد شروطها مع كوكبة من المناضلين الاخيار ، فأَن يسجل الشابي اسمه في تثبيت ثورة اسهم بقوة في احتطاب شروطها ، افضل الف مرة من تبذير بقية مشواره في مطاردة مناصب قد يمضي العمر ولا تأتي ..اذا هبت رياحك فاغتنمها ، وان كانت لديك خرطوشة اخيرة ، فلا تهدد بها ماضيك ولا تحبسها في جوف سلاحك فتخنقه ، عجل بتصويبها في نحر الثورة المضادة ،فان الحسنات يذهبن السيئات .