الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب لسنة 2014

نخوض منذ أشهر معركة إعلامية لنفض الغبار عن استراتيجية لمكافحة الإرهاب، أعدتها مصالح الدولة في فترة الرئيس المنصف المرزوقي ورئيس الحكومة مهدي جمعة بين فيفري وديسمبر 2014. ما دعانا لذلك هي الجهود الحثيثة لمن قدم إلى السلطة بعد انتخابات آخر سنة 2014 وسعيه المتواصل لدفن هذه الاستراتيجيان. ورغم أن الفائز الأساسي من هذه الانتخابات أي السبسي وحزبه من الأطراف الأساسية، التي استثمرت سياسيا في موضوع الإرهاب ووظفته واستعملته، إلا أنها تجاهلت بعد قدومها إلى السلطة التعامل الجدي معه، بل قامت في تجاهل لمبدأ “تواصل الدولة” بتهميش أي مجهود قامت به الدولة لإرساء مقاربة استراتيجية، وتعرضت تونس إزاء هذه المماطلة إلى ضربات متصاعدة الخطورة والعمق، ولولا الوعي المواطني ووطنية الأجهزة الحاملة للسلاح، لكانت نتائج هذه الضربات وخيمة أكثر.

وقد وصلت إلينا مؤخرا مسودة استراتيجية منسوبة الى وزارة الخارجية وتنتظر على ما يبدو توقيع الرئيس السبسي، وبعد اطلاعنا عليها قررنا عرض الخطوط العريضة  (دون الدخول في التفاصيل إذ لا المجال ولا الإطار يسمحان) لاستراتيجية سنة 2014 وكانت رئاسة الجمهورية عبر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، الذي أدرته آنذاك يساهم في فريق العمل. سأقوم بذلك ليس من باب المقارنة فحسب، بل أيضا من باب إعادة الاعتبار لهذا المجهود المميز والاستثنائي. والحقيقة أصبنا بشيء من الصدمة بعد الاطلاع على “استراتيجية السبسي” (المعنونة “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب”). ليس فقط لصغر حجمها؛ إذ لا تتجاوز 18 صفحة، بل لأنها لا تعرض أي تشخيص معمق أو يستحق التقدير (ولا استراتيجية دون تشخيص)، وتنتقل مباشرة إلى قسم من التوصيات غلب عليها الانشائية والعموميات، وذلك طبيعي بسبب غياب تشخيص معمق.

من باب التحفظ على وثائق الدولة وتجنب توظيفها سياسيا، سأقتصر على عرض الملامح الأساسية لاستراتيجية سنة 2014 التي تمتد في نسختها التي كانت قابلة للنشر (أي دون حساب الجزء السري الذي لم يكن من الممكن تداوله) إلى أكثر من 150 صفحة. تنقسم “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب” (سنة 2014) ألى جزأين أساسيين، يتعلق الأول بالتشخيص والثاني “المبادئ وخطوط العمل”. شمل التشخيص في الوقت نفسه المجموعات الإرهابية، وأيضا المنظومتين الأمنية-العسكرية والقضائية.

وقد تضمن الملخص التنفيذي للقسم الخاص بالتشخيص على النقاط التالية:

– يظل الوضع في ليبيا من أكبر المخاطرعلى مستوى تعزيز ظاهرة الإرهاب وتغذيتها في بلادنا.

– يزداد ملف “العائدين من مناطق التوتر” (العراق، سوريا، ليبيا…) توسعا وخطورة، ويشكل أحد الأولويات المشتركة لصانعي القرار في كل دول العالم، ويغذيه الممنوعون من السفر من الجنسين ويزيده حدة وتعقيدا.

– الأجندة الإرهابية لا تعترف بالحدود وهدفها الأساسي هو تقويض الدولة، وتفكيكها وتغيير النمط المجتمعي وفرض مشروع جديد.

– ومن أعظم ما ينبغي الانتباه له، هو مخاطر التحام الإرهاب بالفضاءات الأخرى كالفضاء الديني والتهريب والجريمة المنظمة والخبرة الجزائرية، والفجوة الجهوية والاجتماعية، وكذلك الحضور الناجع في الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي.

– وبمقابل تعاظم تلك المخاطر فإن المنظومة الأمنية تشكو من نقائص ذاتية وموضوعية، ومازالت مقاربة الإرهاب تشكو من غياب الرؤية الإجمالية العامة، ومن التشخيص الدقيق لطبيعتها ومن غياب الأفقية والتنسيق بين الأجهزة المعنية، ومن غياب الأفق الاستراتيجي في علاجها.

في المقابل تمثلت أهم “الأهداف والمبادئ” و”خطوط العمل” وفقا للملخص التنفيذي للاستراتيجية فيما يلي:

– أولا، الهدف العام من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب: من أجل تحجيم ظاهرة الإرهاب وفكها عن روافدها، ورفع القدرة على التفادي والتصدي والتحمل للعمليات الإرهابية.

– ثانيا، بالنسبة للمبادئ العامة الواجب إرساؤها لمكافحة الإرهاب تتضمن: مكافحة الإرهاب من الإجماعات السياسية الكبرى للبلاد. إن الإرهاب يعالج ضمن دولة القانون وعلى قاعدة احترام حقوق الإنسان. إن مكافحة الإرهاب ضرورة من أجل الحفاظ على الخصوصية الثقافية والنمط المجتمعي للبلاد، والتصدي الناجع للإرهاب، يقتضي تطوير القدرات ودوام الاستشراف وتحيين الخطط. وأخيرا إن الإرهاب ظاهرة ما فوق قطرية تقتضي إحكام التعاون الدولي وتعميقه.

– ثالثا، بالنسبة لفك الظاهرة عن محاضنها الاستراتيجية: فإن ظاهرة الإرهاب ظاهرة معقدة ومركبة وتزداد رسوخا في المشهدين القطري والإقليمي، وعلاجها لا يمكنه الاقتصار على نجاعة المنظومة الأمنية فقط، لما في ذلك من اختزال قد يفاقم من خطورتها ويمدها بمعنيي الاستهداف والمظلومية. لذلك فمن المهم أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب جهدا يتجه إلى معالجة روافد الظاهرة وبعضا من منابع قدرتها الحيوية التي تمدها بعناصر الديمومة والاستمرارية، ومن ذلك: المحضن الديني، إذ الظاهرة شديدة التلبس بهذا الفضاء ومن المهم بالنسبة للمجتمع والدولة معا فرز الظاهرة عن هذا المحضن، الذي ساهمت وتساهم في تحزيبه والحيلولة دون تأهله وانتقاله، تساوقا مع جهد الانتقال الذي يعيشه أكثر من فضاء مؤسسي ومدني. والمحضن الاجتماعي، إذ ينبغي الحيلولة دون التحام الظاهرة بالاحتجاج الاجتماعي الذي هو مشمولات جهات مدنية أو حزبية. وأخيرا المحضن الجغراسياسي، إذ يوفر العمق الجغراسياسي للظاهرة فضاءات تدريب وتجربة وتعميقا للمرجعية الفقهية، و”ملاحم” وقصص استعراضية تشكل مادة الاستقطاب والتعبئة.

– رابعا، النجاعة الأمنية والقضائية، ولن نفصل في ذلك لحساسية الموضوع وسنقتصر على أهم النقاط، وهي الأعمال التحضيرية والوقائية والمجابهة.

– خامسا، وأخيرا حوكمة ملف مكافحة الإرهاب: إن ملفا بهذا الحجم والخطورة يقتضي حوكمة تعمق جهد التخطيط للملف، وتقوم على تجميع المتناثر من المؤسسات ذات العلاقة، وتستحدث الناقص منها وتُحكم تنزيل الاستراتيجية بحسب المحاور والأولويات.

مثلما قلت أعلاه، هذه فقط الخطوط العريضة لوثيقة مفصلة ومثبتة بالأرقام وتتضمن إجراءات عملية محددة لن نخوض فيها من باب التحفظ. وقمنا هنا فقط بعرض أهم عناصرها من باب إثبات وجودها وأهميتها، مقابل تلكؤ السلطة الحالية في اعتمادها لأسباب سياسوية بحتة، وفي تجاهل لمبدأ تواصل الدولة. وفي المقابل تم إنتاج وثيقة مبتسرة لا تتجاوز العشرين صفحة.