شيطنة الإسلاميين أو الطريق الملكي لإعادة التوازن للمنظومة القديمة

بعد الثورة التونسية، كنت على يقين من أنّ “الرُّهاب La Phobie” المتبادل بين الإسلاميين والعلمانيين سيقوى رغم  رحيل سببه “الظاهر” وسقوط الارتباط “المغالطي” بين أطراف الثالوث “المقدّس الذي حكم الدولة الوطنية منذ الاستقلال”، -كما قال محمد أركون – أي ثالوث: الوطن-الحزب-الزعيم.

لم يكن يقيني ضربا من الرجم بالغيب، وذلك لوعيي بأنّ هناك الكثير من الأطراف الفكرية والسياسية، التي لا يمكن أن تكتسب شعبيتها وشرعيتها إلا بتكريس العديد من الثنائيات” الحادة” أو الصلبة، والعمل على تأبيدها ومنع أي إمكان تاريخي لتجاوزها، وذلك من خلال السهر على استمرار سياسة “الترهيب” النسقي والمنظّم من “فزّاعات كبرى” تُعطي لوجودها “العمومي” معنى.

إنها استراتيجيات “واعية” ومخطّط لها كي تجعل من كلّ “تقارب” بين الوطنيين من الإسلاميين والعلمانيين أمرا مخيفا و”مكلفا” للجانبين، سواء من الناحية الفكرية – النفسية أو من الناحية الشعبية -الانتخابية.

كان الإعلام الخاص – بمختلف أشكاله المكتوبة والمسموعة والمرئية –  من أهمّ عوامل تغذية “الرُّهاب” المتبادلة بين الإسلاميين و العلمانيين وإعادة إنتاجها “دوريّا”.

وقد يكون من الضروري التنبيه إلى أنّ الشكل الثاني من الفوبيا (أي رُهاب العلمانية)، ما هو إلاّ “أثر منبثق ” وغير مقصود لفوبيا الإسلام -كما يقول علماء الاجتماع-.

ولكنّ هذا الأثر غير المقصود لا يقلّ في خطورته عن الأثر “المراد”، فـ “رُهاب العلمانية” يجعل من فاعلية العديد من المفاهيم “التأسيسية” للمجتمع الديموقراطي الحديث موضع تساؤل عن المتدين الذي لا يكون مرتبطا بالإسلام السياسي، بل إنّ ارتباط العلمانية عند النخبة التونسية بخطاب معاد في الأغلب للدين ذاته في رموزه الكبرى وقيمه وتشريعاته وأخلاقه، يوجد في ذهن المواطن العادي نوعا من الارتباط  شبه “البافلولي” بين العداء للتدين وللهوية الجماعية وبين الدعوة إلى مجتمع علماني.

وبالطبع، فإنّ كل تدقيقات المثقفين وتصحيحاتهم ونواياهم الطيبة لن تنفع كثيرا في تغيير هذا التلقي السلبي للعلمانية، التي هي بطبعها مفهوم “سيء السمعة”  بسبب سيادة فهمين “مؤدلجين” له؛ وهما “الفهم الفقهي” و “الفهم اليعقوبي. ولذلك  كان من العسير توظيف هذا المفهوم في الحوارات العامة، وصار من الأفضل البحث عن “بدائل” مفهومية له لعلّ أفضلها” المجتمع المدني”.

بعد الثورة التونسية، حافظ الإعلام “الخاص” على أغلب ارتباطاته بمراكز النفوذ في المنظومة الحاكمة، وذلك لضمان عدم محاسبة القائمين عليه والمموّلين له من المرتبطين بالنظام “السابق” من جهة أولى، وللاستفادة “البراغماتية” من القضايا السياسية والثقافية العامة وتحويلها إلى “رأسمال ماديّ” من جهة أخرى.

وقد نجح هذا الإعلام في أن يصبح “فاعلا جماعيا” أساسيا في تشكيل الرأي العام ، وفي دمغجته وتزييفه، وكان عليه أن “يتموضع” بطريقة تخدم المصالح المادية والرمزية للقائمين عليه، والمراهنين عليهم من الممولين والمستشهرين والسياسيين، وقد كان ذلك يتحقق في فترة حكم الترويكا بصورة واضحة  من خلال “الانتصار” للمعارضة الممثلة  فيما يُسمّى بـ”العائلة الديمقراطية”.

وقد توحّدت مكوّنات هذه”العائلة” – بما في ذلك القوى المحسوبة على المنظومة التجمعية البائدة – حول هدف مشترك هو إسقاط النهضة في إطار “جبهة” ميتا-أيديولوجية، وكان المبدأ الموحّد لتلك “الجبهة” خلال حكم الترويكا، هو اشتراكها في العمل على “أرضية يعقوبية” علمانية تتعرف ذاتيا بمعاداة المشروع “الإسلامي” في جميع صيغه وتعبيراته.

وكانت تلك الأرضية الثقافوية بمنزلة “الثقب الأسود” الذي يجذب إليه كل أنواع الأيديولوجيات “العلمانية” من ماركسية وبعثية وقومية وبورقيبية قُطرية.  وقد  مارست  “اليعقوبية الفرنسية”-باعتبارها تمثلا مخصوصا للدولة-الأمة وللعلاقة بين الدين والسياسة- سلطة جذب كبيرة على الأيديولوجيات المتصارعة تاريخيا والمتباعدة مرجعيا، بحيث تمّ “تذويب” الاختلافات بينها أو تهميشها أو “السكوت عنها” أو تأجيلها إلى حين الانتهاء من أمر العدو المشترك: حركة النهضة.

بعد خروج الترويكا من الحكم، وبعد عودة النظام القديم إلى السلطة عبر قاطرته الحزبية الأساسية نداء تونس، انقسمت “العائلة الديمقراطية” على نفسها، وفقدت وحدتها التي كانت السبب الأساسي في قوتها التفاوضية مع النهضة أو مع باقي الفاعلين الجماعيين – من مثل الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف بالأخص خلال الحوار الوطني -.

وقد انعكس هذا الانقسام المزدوج – أي انقسام داخل نداء تونس وانقسام بين نداء تونس وبين حلفائه اليساريين من جماعة “التصويت الفعال” VOTE UTILE – على الخطوط التحريرية للمنابر الإعلامية الخاصة التي كان عليها أن تختار حليفها في هذا الواقع السياسي المتشظي.

ويلاحظ المتتبع للمشهد الإعلامي التونسي أنّ الثابت في هذه القنوات – رغم اختلاف ولاءاتها لأجنحة نداء تونس النيو-تجمعي، أو لمكوّنات الجبهة الشعبية اليسارية – هو سعيها المحموم إلى شيطنة حركة النهضة، وتحميلها كل المآسي الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تمر بها البلاد، ولم يكن انفراط عقد “العائلة الديمقراطية” بعد أن تراجع الرئيس قائد السبسي عن وعوده للقوى اليسارية بإقصاء النهضة يعني أنّ القوى النيو-تجمعية واليسارية ذات الطرح الثقافوي الاستئصالي قد فقدت مبررات التقائها الموضوعي، فهي مازالت تشترك في مصلحة واحدة هي مواصلة ابتزاز النهضة واستضعافها باستثمار الملف الإرهابي، وبالعمل على تغذية العلاقة الملتبسة في الوعي الشعبي بين حركة النهضة والحركات السلفية.

لا شك في أنّ دفاع أغلب المنابر الإعلامية الخاصة عن “النمط” هو في الحقيقة دفاع عن مصالح الأطراف المتنفذة التي تقف خلف رواج هذه الخرافة التأسيسية لحكم المخلوع، بل هو “شرعنة” لمنطق سلطوي معين كانت الثورة التونسية هي التعبير الأقصى على فشله وعلى ضرورة مراجعته مراجعة جذرية. ولذلك يمكننا أن نعتبر وسائل الإعلام الخاصة المتمترسة خلف هذه الخرافة –وبصرف النظر عن ادعاءاتها الذاتية – مجرد مجموعة وظيفية في استراتيجيات النواة المنظومة الحاكمة  قبل 14 جانفي وبعده، تلك الاستراتيجيات الهادفة إلى تحييد مفاعيل الثورة وشيطنتها قصد العودة إلى مربع 13 جانفي 2011، وإن أمكن العودة إلى مربع 7 نوفمبر 1987.

فأغلب وسائل الإعلام الخاصة مرتبطة  بـ”الدولة العميقة” ونواتها الصلبة ارتباطا عضويا لا فكاك منه، ولذلك  كانت تلك المنابر حصونا متقدمة وطوابير خامسة مهدت لعودة المنظومة القديمة عبر واجهاتها السياسية والجمعياتية والنقابية المتعددة. لقد كانت الوظيفة الأساسية لتلك المنابر الإعلامية هي العمل-في الحد الأدنى- على إضعاف حركة النهضة وتقليص حظوظها في أي انتخابات، أو استئصالها وإقصائها-في الحد الأقصى- من السلطة والمعارضة على حد سواء–وهو خطاب تتقاسمه العديد من النخب الليبرالية واليسارية، وعبّر عنه صراحة أحد رموز الاستئصال اليساري في تونس النائب عن الجبهة الشعبية منجي الرحوي-.

من المؤكد أنّ “إصلاح” هذه المنابر الإعلامية وإبعادها عن “التعامد الوظيفي” –أي الاعتماد المتبادل وظيفيا- بينها وبين اللوبيات المالية وبعض الأحزاب السياسية سيُلقص من حدة الاحتقان الاجتماعي، وسيحد من التأثيرات الكارثية لخطابات الضغينة الممهدة للاحتراب الأهلي بل المحرضة عليه صراحة أحيانا .

وقد يكون من المهم الإشارة إلى أنّ الإرهاب لا يحضر في تلك الخطابات المحكومة برهاب الإسلام  إلا باعتباره “موضوعا متاحا”، بينما يكون الموضوع المقصود دائما هو حركة النهضة. فالحركات التكفيرية والإرهاب يتحركان ضد الدولة بجميع مكوناتها، وهو ما يجعل منهما عدوا خارجيا يمكن تجييش الرأي العام ضده، وتحييد مفاعيله الخطيرة على المجتمع والدولة، أما النهضة التي قبلت بالعمل السياسي القانوني فهي العدو الحقيقي؛ لأنها تتحرك داخل الدولة وبمنطق قوانيها، وهو ما يُهدد القوى السياسية التقليدية، بل النخب الحداثية كلها في رساميلها المادية والرمزية.

وقد دفع هذا الواقع بعض النخب الاستئصالية-الليبرالية واليسارية على حد سواء- إلى الدعوة إلى إدارة الصراع ضد النهضويين على أساس أنه صراع وجود وليس مجرد صراع سياسي. ولكنّ إصلاح الإعلام الخاص لن يتحقق إلا بإبعاده عن تأثيرات اللوبيات المالية وعن مراكز القوى السياسية المتنفذة في”العائلة الديمقراطية”، بشقيها النيو-تجمعي واليساري الاستئصالي (وكذلك بمنع تحول النهضة ذاتها إلى لوبي إعلامي، سيعيد إنتاج ممارسات أعدائه بالضرورة). ويبقى هذا الواقع المنشود مرهونا بتضافر عدة عوامل، تتراوح بين قيام الجهات التعديلية والنقابية بواجبها بعيدا عن التحيزات الأيديولوجية والتضامنات السياسية، وكذلك بانبثاق سلطة”وطنية” حقيقية  لا يحكمها منطق الشبكات الزبونية، ولا توظف أجهزة الدولة لخدمة غايات فئوية أو جهوية أو حزبية ضيقة، وهو مطلب لا يوجد  في الواقع المعيش ما يجعلنا نؤمن بقرب حصوله، ولكن لا يوجد أيضا في منطق التاريخ والثورات ما يُزهّدنا  في العمل على تحقيقه ولو بعد جيل أو جيلين.