تحدّث عن ملف الشورابي والكتاري / الغنوشي : هناك فشل “نسبياً” في التعاطي مع الملف الليبي..

يرى رئيس حركة “النهضة” التونسية، راشد الغنوشي، في حوار مع “العربي الجديد”، أن “تماسك النسيج التونسي أنقذ البلد من أحداث بنقردان”. وفي قراءته لأحداث المنطقة والتعاطي التونسي الرسمي والشعبي معها، يقدّم تقييماً إيجابياً لما يسميه النجاح في وضع حدّ لمن يسميهم “خوارج العصر”، أي تنظيم “داعش”.

أما في الموضوع الليبي، فيعتبر الغنوشي أن “الحلّ يكمن في الاصطفاف خلف حكومة فائز السراج”، مرجحاً عدم حصول تدخل بري هناك. ويعترف بأن الحكم التونسي فشل “نسبياً”، في التعاطي مع الملف الليبي، مشدّداً على ضرورة “التواجد التونسي في كل مكان يوجد فيه تونسي”، من دون أن يعني ذلك تأييده للتدخّل العسكري في ليبيا.

ويشرح الغنوشي أهداف اتصالاته مع رموز من عهد العقيد الليبي المخلوع معمر القذافي، بهدف منع إقصاء أي جماعة، تحت شعار “التسامح”.

حزبياً، يلقي الغنوشي الضوء على آخر خطوات حركة النهضة، واستحقاقاتها التنظيمية الداخلية في هذه المرحلة الحساسة. كما يمرّ على علاقة “النهضة” بتنظيم “الإخوان المسلمين”، ومسؤوليتها خلال حكم “الترويكا” عن نموّ الحركات الاحتجاجية المطلبية.

* عاشت تونس خلال الأيام الماضية تجربة غير مسبوقة في بنقردان، فما هي أبرز الدروس التي استخلصتها؟

بنقردان نقطة فارقة في هذه المرحلة التي نعيشها، وقد أثبتت أحداث المدينة صلابة تونس ومؤسساتها، وأثبتت جاهزية قوات الأمن والجيش للتصدي لهؤلاء المارقين. كما أثبتت أن الديمقراطيات ليست لقمة سهلة لـ”داعش”، لأن الديمقراطية تجعل المواطن يشعر بأن الدولة دولته، وبالتالي تجعله مستعداً للدفاع عنها، ولدعم قوات أمنه وجيشه. أعتقد أن هذا العامل قد صنع الفارق، وأحسب أنه مثّل مفاجأة لخوارج العصر، الذين تصوّروا أن ما وجدوه من حاضنة شعبية في بعض مناطق العراق وسورية بسبب التعسف الطائفي والدكتاتورية، سيلاقون شبيهاً له في تونس، لكن تماسك النسيج التونسي، ووقوف أبناء بنقردان خلف قوات الأمن والجيش، جعلا مخططاتهم تبوء بالفشل.

كنّا نتهيأ لارتدادات الأزمة الليبية على مستوى اللاجئين، فإذ بها تتحوّل إلى أزمة عسكرية، فهل الخطر من الداخل أم من الخارج؟

الأخطار مزدوجة، فيها ما هو من الداخل وفيها ما هو من الخارج. أما الداخل، فيتمثل في وجود شباب تونسيين اتبعوا سبل الإرهاب والتطرف وأصبحوا يستهدفون باقي الشعب التونسي والدولة التونسية، وهؤلاء يساعدهم عامل خارجي في الجوار وهو غياب الدولة في ليبيا، مما يوفّر لهم مناخاً ملائماً للتدريب والتخطيط والتسليح، ثم محاولة العودة إلى تونس للقيام بأعمالهم الإجرامية والإرهابية. وكما يريد هؤلاء المجرمون ضرب وحدة شعبنا، للأسف، يندرج البعض الآخر في الداخل التونسي في نفس العمل، فيحاولون تقسيم الشعب التونسي إلى حداثي وإسلامي، وعوض العمل على تقوية الوحدة الوطنية في مواجهة خطر التطرّف والإرهاب، يعملون للأسف، على ضرب هذه الوحدة ويحاولون استغلال تهمة التطرّف والإرهاب ليضربوا به خصومهم السياسيين. نقول لهم كفّوا عن هذا، هذا التقسيم يَصبّ في مصلحة الاٍرهاب، ويعقّد ويصعّب التغلب عليه.

* بعض الجهات في ليبيا، الحكومتان (طرابلس وطبرق) وبعض النشطاء منزعجون من توصيف تونسي، بأن ليبيا هي مصدر الاٍرهاب، ماذا تقولون لليبيين؟

نقول لأشقائنا في ليبيا بأن الرئيس الباجي قائد السبسي، وسائر المسؤولين لم يتهموا الليبيين بأنهم هم وراء هذه الأعمال الإرهابية في تونس، ولكنهم عبروا عن شيء يزعج الجميع في المنطقة، وأولهم الشعب الليبي، وهو أن غياب التوافق بين الفرقاء الليبيين وغياب الدولة الليبية القوية وفّرا المناخ المناسب لتواجد الإرهابيين ولإقامة معسكراتهم، ومن ثم محاولاتهم لاختراق الحدود الممتدة مع تونس وغيرها للقيام بأعمالهم الإرهابية.

* هل ما زالت تونس والجزائر على نفس الموقف الرافض للتدخل العسكري في ليبيا؟

دول الجوار الليبي، وكل مكونات الساحة السياسية التونسية ترفض التدخل الأجنبي في ليبيا لأننا رأينا ما فعله التدخل العسكري الأجنبي في دول أخرى في المنطقة، إذ لم تؤدّ إلى القضاء على الدكتاتورية أو الاٍرهاب، بل إلى انتشاره أكثر وإلى تفكّك الشعوب والدول والبلدان والدخول في حروب أهلية وطائفية، لا نعرف متى ستتوقف. لذا نحن ندعم الموقف الرسمي التونسي، والجزائري المعارض للتدخل الأجنبي لأن تونس والحزائر، علاوة على الشعب الليبي، هي أكثر من ستعاني تبعات أي تدخل أجنبي.

* هناك خوف متصاعد مما يحدث في ليبيا، وحتى مؤسسات الدولة بدأت تستعدّ لمجابهة التهديد هناك، لكن الدول الأوروبية ترى في ذلك مبالغة وتهويلاً، كيف تقيّمون أنتم هذا التهديد؟

يعود هذا إلى المخاوف من التأثيرات الكارثية على تونس في صورة تأزّم الوضع في ليبيا، وهو يدلّ على عمق التقارب التونسي الليبي، فالتونسي لا يمكن أن يتخيّل انه آمن حين تكون ليبيا مضطربة. ليبيا تُعدّ ثاني دولة بحجم المبادلات التجارية مع تونس، التي تُقدّر بما يقارب الثلاثة مليارات، كما كان يعمل في ليبيا حوالي 300 ألف تونسي، بالتالي من الطبيعي أن يشعر التونسيون بالخطر إذا اندلعت الحرب. تاريخياً، كلما ضربت ليبيا يهاجر مئات الآلاف من الليبيين إلى تونس، ولا تخلو مدينة تونسية من ألقاب ليبية كالطرابلسي والورفلي والنالوتي، ففي الأمس القريب كان هناك أكثر من مليون ليبي بتونس، واليوم كأن التاريخ يُعيد نفسه.

* من خلال اتصالاتكم ولقاءاتكم مع السفراء وشخصيات دولية، ما هو السيناريو المطروح في ليبيا؟

لا يبدو أن سيناريو الحرب البرية مطروحاً، ولكن هناك رغبة دولية حقيقية في أن تقوم الدولة في ليبيا، حتى تتمكن من أداء واجبها ومنع استغلالها وتحولها إلى محطة لانطلاق الدواعش نحو تونس أو نحو الغرب. هناك مخاوف دولية من أن تسقط ليبيا وساحلها بكل خيراته وإمكاناته بيد الدواعش. أنا أشبّه المسألة بأشواك ضربت الجسم الليبي، فإن لم يتمكن الليبيون من نزع الأشواك بأنفسهم فسيأتي من ينتزعها، وحتى الآن فشلت النخبة الليبية في تحقيق التوافق وأنا متألم جداً لهذا الفشل. كان يجب أن تتنازل النخب في ليبيا لبعضها البعض، مثلما حدث في تونس حين تنازلت النهضة، ولو لم تتنازل النهضة لكان مصيرنا بنفس السوء. حتى أن أحد المفكرين قال: إن الفرق بين تونس وسورية، هو أنه في تونس حين رأى الحاكم أن الوطن مهدّد، خرج من الحكم، أما في سورية فرفض الحاكم التنازل، وكان الشعار “الأسد أو لا أحد”، فالذات أهم من الوطن لدى الحاكم في سورية. من جهتهم، لم يعبّر الليبيون حتى الآن عن مستوى عالٍ من النضج، فالوطن أعلى من الحزب والقبيلة.

* هل تعتبرون أن حكومة فائز السراج في ليبيا، هي الحلّ؟

نعم هي الحلّ، وسبق أن عبّرنا لإخواننا في ليبيا بأن يقبلوا هذا الحلّ، فالسلم المنقوص خير من حرب يدّعي كل طرف الفوز فيها، ولكن كل حرب داخل الوطن هي دمار، مثل الحرب داخل العائلة، إذ لا يمكن لربّ العائلة أن يكون سعيداً بمعركة داخل أسرته.

* كانت لكم اتصالات مع السراج؟

دعوت السراج إلى محاورة كل الأطراف في ليبيا، وساهمت بجهدي بالاتصال ببعض الزعامات الليبية، التي تربطنا بها علاقات لإقناعها بهذا الحل، واتصلنا تقريباً بالأحزاب القريبة منا، والتي نعرفها، من العدالة والبناء، الذين كانوا في مقدمة من وقعوا على الاتفاق، ولكن هناك زعامات اسلامية لم يرقهم هذا الاتفاق ورأوا فيه اخلالاً.

* ليبيا اليوم أضحت حاضنة لأكثر من تنظيم إسلامي، وما يُسمى بالإسلام المعتدل لم يعلن عن موقفه بوضوح وبقي صوته خافتاً؟

حاولنا باستمرار حثّ إخواننا في ليبيا على أن يكون صوتهم أعلى، للتمايز بينهم وبين الجماعات المتشددة كأنصار الشريعة، ولكن في ليبيا، تحديداً في بنغازي، هناك تداخل واصطفاف بين من هو مع (اللواء خليفة) حفتر، ومن ضده، وأحياناً تكون بين جبهتين. مع ذلك رأينا الاسلاميين المعتدلين يعلو صوتهم مع مرور الوقت. وعندما احتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) سرت، دعوت (رئيس المؤتمر الوطني العام نوري) أبو سهمين لعدم التردّد في تحرير سرت، ونزع هذه الشوكة من الجسم الليبي، لأنه إن لم تقم قوات فجر ليبيا بذلك فإن هناك من سيأتي ليحررها، وكأن داعش مهمته خلق ذريعة للتدخل الأجنبي أينما ذهب. بالفعل، قامت قوات فجر ليبيا بتحرير ومواجهة الدواعش في سرت وصبراتة وغيرها.

ولولا فجر ليبيا لكان الدواعش سيطروا على طرابلس وعلى المدن المحاذية لها، وللأسف في تونس هناك خلط، فبحجة مقاومة الإسلاميين، يتم وضع الجميع في جبهة واحدة، وهذا ما أضرّ بمصالحنا، التي تقتضي التواصل مع الجميع في غرب ليبيا وشرقها، وليس من حدّ لعلاقاتنا إلا الإرهاب الذي يستهدف بلادنا. يجب أن نكون في وفاق مع جيراننا، ومن يحكم ليبيا شأن ليبي لا يعنينا، لكن مصالحنا تفرضها الجغرافيا وتفترض علاقة تعاون وتداخل مع الجارين الجزائري والليبي.

* هل هذا يعني أنكم تؤيدون التعديل الذي قام به الرئيس التونسي في السياسة الليبية، لناحية اعتناقه الحياد تجاه الطرفين المتنازعين؟

هي خطوة جيدة ولكن المطلوب هو أكثر من ذلك، ففي عهد الحكومة السابقة، قُطعت خطوط الطيران مع غرب ليبيا، وبقيت مفتوحة مع شرقها، وفي حكومة الحبيب الصيد تمّ إصلاح هذا الأمر. من المفترض أن نكون حاضرين أكثر في ليبيا، ومطلوب أن تبقى دبلوماسيتنا قائمة، ولا يجب أن نقبل الانسحاب، فإن لم نكن موجودين، ستصبح ليبيا مركز تآمر ضدنا، وكل الضربات القاسية التي تلقيناها جاءت من هناك. يجب التعاطي مع ليبيا كقضية محلية وما كان علينا الانسحاب.

* هل هذا يعني أننا فشلنا في التعاطي مع الملف الليبي؟

هناك فشل، فالانسحاب فشل، صحيح أنه لم يكن متعمّداً وهو ما جعلنا غائبين عما يحصل في ليبيا، وجعلنا نفاجأ بعدد الضربات، كما قطعنا اتصالنا بآلاف التونسيين، وتمكن الإرهاب من أن يضرب السياحة وما وراء السياحة، بسبب سياستنا الخارجية التي لم توفّق في الحفاظ على السوق الليبية، ويجب أن نعود إلى ليبيا بأشكال متعددة، ولا ينبغي أن نتراجع.

* هل تبذلون جهوداً لمعرفة مصير الإعلاميين المختطفين في ليبيا سفيان الشواربي ونذير القطاري؟

لا زلنا نواصل الجهد مع أصدقائنا هناك، ولن نتوانى حتى نراهم بين ذويهم قريباً.

* تقولون قريباً، هل يعني ذلك أن لديكم معطيات مؤكدة حول ذلك؟

قريباً.

* قلت إثر عملية صبراتة إنك تتمنّى لو أن الأمن التونسي هو الذي ضرب “داعش” فما المقصود؟

لا أقصد التدخل العسكري التونسي في ليبيا، بل كما ذكرت سابقاً، هو في أن نكون موجودين هناك، حتى نكون بالقرب من التونسيين البعيدين عن بلدهم، أي أجهزتنا واستعلاماتنا، ويجب أن نتعامل مع كل الأطراف ذات النفوذ في غرب ليبيا وفي شرقها، لحراسة أمن تونس. أمننا لا يقف في راس جدير، بل يمتد إلى كل مكان حيث يوجد التونسيون، حتى أولئك الذين يتآمرون على أمن وطنهم، ونحن نتعامل مع كل الأطراف لإحباط ما يحاك ولحماية تونس من خلال الأمن الوقائي.

* بلغنا أنه كانت لديكم اتصالات أيضاً ببعض القيادات في نظام العقيد المخلوع الليبي معمّر القذافي؟

نعم، تحدثت مع بعضهم، من سياسيين قدامى كأحمد قذاف الدم وعبد الرحمن شلقم وأحمد جبريل. كما زارتنا وفود عدة، ملكية ومن قبائل الشرق، كأولاد علي، وعبيدات، وبقينا دائماً نحثّ اخواننا الليبيين على التخلّي عن أي نزعة اقصائية، فسفينة ليبيا تتّسع للجميع. كما دعوناهم للتخلّي عن قانون العزل السياسي، واعتبرناه عقبة في طريق المصالحة، كما تخلّينا نحن عن قانون تحصين الثورة. أظنّ بأن الليبيين ازدادت عندهم القناعة، بأن قانون العزل السياسي كان ثأرياً وفاقم المشكلة ولم يكن حلاً. نحن ندفع باتجاه التسامح والتوافق، بعيداً عن الانتقام والعقوبات الجماعية، إذ أنه ليس عادلاً ولا هي من الإسلام، أن تتمّ معاقبة كل من عمل مع القذافي لـ40 عاماً.

* في ظل تزايد المخاوف بسبب الوضع في ليبيا، وبالنظر إلى تردّي الأوضاع الاجتماعية، هل ترون أن البيت التونسي لا يزال متماسكاً؟

لتونس دولة مؤسساتها قوية، حتى ولو بدا أن أوضاع الثورة أضعفتها، لكن مفهوم الدولة راسخ في الوجدان التونسي والثقافة التونسية، والدولة قوية حتى وإن حاولت بعض الجهات أن تنال ما لم تحصل عليه في صناديق الاقتراع، عبر إرباك الدولة واسقاطها، إلا أن محاولاتها ستبوء بالفشل. حاولت هذه الجهات أن تنتزع الدولة من الشارع، وهذه المحاولات ليست وليدة اليوم بل ظهرت منذ عام 2013 وتجّلت في أكثر من مناسبة. وفي الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة، حاولت هذه الأطراف الراديكالية من اليمين واليسار، أن تربك الدولة وأن تلتقط الحكم من الشارع، فلوّحت بثورة ثانية، ورفعت من جديد شعارات الثورة وإسقاط النظام في محاولة لاستعادة سيناريو الثورة، لكن ما أن تنبّه الشعب إلى أنها ستحاول استغلال أوضاعه ونقل الحراك الاجتماعي إلى المستوى السياسي وتحويل المطلب الاجتماعي إلى طلب تغيير النظام، حتى رفض التونسيون الانسياق وراءها، وتركوا تلك الجماعات في وضع “تسلل”، وبقيت ذيول ايديولوجية تحاول مواصلة هذا الحراك عبثاً.

* هل هذا يعني أن الشعب أكثر نضجاً من النخبة؟

الشعب أكثر نضجاً من بعض النخبة، ففي الفترة الأخيرة مثلاً، قامت محاولة خطيرة عن طريق بعض النقابات الأمنية كنوع من التمرّد، واجهها الرأي العام برفض أسلوبها، لتجد نفسها معزولة، بما يؤكد عمق مفهوم الدولة. هذا التحرّك الأمني أفشله وعي الشعب وقدرته على التمييز بين تحرك اجتماعي مشروع، وبين التوظيف السياسي، الذي يحاول أن ينقلها إلى خطّ آخر، وهو خط تغيير النظام. الشعوب لا تقوم بثورات يومياً، وهذا الشعب قام بثورة ويرفض بالتالي أي محاولة للقفز على مطالبه، من أجل تغيير النظام.

* لكن هذه الاحتجاجات مشروعة والدولة تأخرت كثيراً في تحقيق مطالب الناس، ما تقييمكم لأداء الحكومة ومؤسسات الدولة؟

يُمكن أن نقول إن الأداء ضعيف، وهذا لا ينسحب على هذه الحكومة فقط، بل على كل حكومات ما بعد الثورة، لكن تنظيم الأمور يحتاج وقتاً. الأمور كانت تقوم على عصا الحاكم وعلى الرعب، ولا يمكن بين عشية وضحاها، أن تنتظم مجدداً على أساس احترام القانون والوعي. هذه سنن الثورات، فهي لا تحدث تغييراً بين عشية وضحاها. لنكن موضوعيين، علينا أن نقارن بين الوضع في تونس وفي الثورات المشابهة، سنجد أن التونسيين نالوا جائزة نوبل، ولم يكن ذلك كمجاملة. في تونس، كانت المعركة تدور حول الطاولة وبالكلمات، لا في ميدان عسكري، وحققنا انجازات على مستوى الدستور وحرية الاعلام، رغم صعوبات الوضع الاقتصادي، وهو وضع مفهوم، فالأزمة الاقتصادية عالمية، وحتى في أوروبا. الأداء متواضع، لكنه مهم قياساً على سلم الثورات والمراحل الانتقالية.

* لكن الناس في المدن والقرى غير معنيين بكل هذا، وينتظرون من الدولة أن تقوم بمسؤوليتها؟

هذا يعود إلى النخبة، التي كثيراً ما تميل إلى التوظيف السياسي، والناس بطبيعتهم يستعجلون، والقرآن الكريم دائماً ما يذكر المؤمنين بما كانوا عليه، عندما تشتدّ عليهم الأوضاع، ويدعوهم إلى أن يقارنوها بما سبق، وإذا قارنوا وضعهم بالذي سبقه، سيدركون أن أداءهم جيد مقارنة بتكاليف الانتقال الديمقراطي، وفي تونس الكلفة لم تكن باهظة قياساً بما تحقق.

* تشير بعض الأبحاث الى أن حرق مقر النهضة في مدينة دوز تم على يد خلية داعشية، ومنذ أيام نشر التنظيم فيديو يهدد فيه “النهضة” وشخصكم بالاستهداف، فهل أصبحت الحرب معلنة بين “النهضة” و”داعش”؟

الحرب بين “النهضة” والتطرف لم تقم اليوم، بل منذ مدة. وهي أساسا حرب فكرية، اذ اننا نقدم فهماً للإسلام هو على النقيض تماماً مما يقدمه “داعش” وأمثاله. هم يقدمون إسلاماً يقوم على التوحش، والقتل، والتطرف، وعدم القبول بالإختلاف، بينما نحن نفهم الإسلام على انه اعتدال، ووسطية، وحرية، وعدالة، وقبول بالآخر، ومتوافق مع الديمقراطية ومع مكتسبات العصر. اذا هناك نموذجان في المنطقة لفهم الإسلام، ونحن على قناعة بأن النموذج الوسطي هو الأقدر على مواجهة النموذج الداعشي، لأن المعركة ليست فقط معركة أمنية عسكرية، بل أيضاً معركة تقوم على الاقناع وعلى كسب العقول والقلوب. أما على الصعيد السياسي، فـ”النهضة” هي أكثر طرف سياسي تضررت من التطرّف والإرهاب، فلدينا حكومتان قد سقطتا بسبب أعمال ارهابية تمثلت في إغتيال زعيمين سياسيين من العائلة اليسارية، والحكومة التي كان يقودها علي العريض هي من أعلنت الحرب على تنظيم “أنصار الشريعة” الإرهابي في صيف 2013. هذه الحرب بيننا وبين “داعش” وأمثاله متواصلة، وتهديداتهم لنا مستمرة ولكن ذلك لن يثنينا عن التصدي لهم فكرياً، أو عن طريق دعم دولتنا ودعم وحدة شعبنا في هذه المعركة.

* حزبياً، ومع اقتراب مؤتمركم ما فتئتم تتحدثون عن تحوّل النهضة لـ”حزب عصري يهتم بشؤون الدولة”، ما هي انعكاسات هذا المفهوم الجديد على النهضة؟

هذا هو مفهوم الحزب وليس الجماعة، فالجماعة مشروع شامل يتضمن الشق الثقافي والاجتماعي، والسياسة هي الجزء الأصغر منه. ونحن أنشأناً مشروعاً شاملاً، والآن نحن حزب حاكم، والعمل الخيري والاجتماعي والثقافي يبقى من أعمال المجتمع، لأنه في المجتمع الديمقراطي، يسود التخصص، كما أن العمل السياسي لم يكن متاحاً سابقاً، إذ كان هناك حزب حاكم شمولي، وُوجه بأحزاب شمولية يسارية واسلامية، وهذا كان مفهوماً كردّ فعل. الآن انتهى الحزب الشمولي، وأصبحت لدينا تعددية سياسية، اذ لدينا دستور يمنع الخلط بين المجتمع المدني والسياسي، فمثلاً الدعاية ممنوعة في المساجد التي جعلت للعبادة، لا لممارسة العمل السياسي أو النقابي أو التجاري. ونحن قبلنا التمييز بين العمل الحزبي والديني في الدستور، والآن نحن في مجتمع ديمقراطي، يتمّ فيه التمايز في الوظائف وهو أمر موجود منذ تاريخ الاسلام، حينما كان للحكام وظائفهم وللعلماء اختصاصهم، والقضاة، وحتى التجار، كل يعمل في تخصصه.

* هل حسمت هذه المسألة داخل “النهضة”، قيادة وقواعد؟

أعتقد بأن المسألة حسمت في النهضة، وستكون هناك حرية الاختيار أمام الجميع، من يريد التخصص في السياسة يبقى في الحزب، ومن يريد الديني هناك مجالات أخرى، مثل أن يكوّن جمعية أو ينضوي تحت وزارة الشؤون الدينية، ومن يريد التخصص في الشؤون العامة، ينتظم في صلب المجتمع المدني داخل كيانات موجودة أو يكوّن كيانات جديدة.

* ما أن برزت بعض الأصوات المعارضة لهذا الخيار، حتى سارعتم جميعاً للتأكيد على وحدتكم، هل أردتم تغطية تصدّع ما، أم هو خوف من الخلافات؟

نحن حريصون على الوحدة في ظل هاجس الانشقاق والانقسام الموجود اليوم، والثورة زلزال يخفي تضاريس ويُبرز تضاريس جديدة، في ظلّ تأسيس أحزاب وانشقاق أخرى، كما أن بعضها ينصهر مع غيره. المشهد السياسي لم يتشكّل بعد ولا يزال في حراك، والنهضة تخشى على وحدتها، وهي تُعتبر بأنها أكثر قطعة متماسكة في هذا المشهد السياسي، وبمثابة العمود الفقري في الساحة السياسية. نحن نخشى أن يتشقق المشهد، فلا يجد المجتمع التونسي ما يتمسك به، لأن المعادلة تقتضي الموازنة بين ضرورات التطور وضرورات الاستقرار.

* يبدو أن هناك قرارات وخيارات تخصّ الحركة، أخذتموها بصفة شخصية، ما أثار ردة فعل ضدكم داخل الحزب، بما تعلّقون على ذلك؟

أكرر قولي دائماً بأن النهضة لم تكن موحّدة بالقدر الذي هي عليه اليوم، والدليل أنه لم يبرز صوت واحد يعارض هذه الخيارات الكبرى. والنهضة ليست سجناً يكتم الأصوات. صحيح أن هناك خلافات وتباين في الآراء ولكن ليس حول الخط السياسي، فموضوع المشاركة في السلطة لم يطرح إشكالات، كما لم نسمع صوتاً يرفض التوافق. الخط السياسي لم يكن في البداية محل اجماع، مثلاً التوقيع على خارطة الطريق كان موقفاً فردياً، وقد اتخذت الموقف بمفردي، وحين ذهبت إلى الحوار كنت برفقة عبد الحميد الجلاصي (رئيس مجلس الشورى)، وحمادي الجبالي (أمين عام سابق للحركة ورئيس حكومة سابق)، الذي لم يكن غادر النهضة بعد. قررت بمفردي وعند ذهابي لمجلس الشورى واجهت نقداً شديداً. صحيح أن الخيار لم يلقَ استحساناً، ولكن أيضاً لم يُواجَه بالرفض، لأنه يُحكم على السياسات بنتائجها. هذا ما طلبته حرفياً من مجلس الشورى: أن يُمنح هذا الخيار حظه من الوقت والتجربة، إما أن ينجح أو أستقيل من النهضة وأنسحب منها.

مجلس الشورى كان له من الوعي في أن يسمح بتجربة هذا الخيار، ولو رفض لما كان بوسعي يومها إلا أن أنسحب، والحركة إذا كانت محكومة بالتوافق بين رئيسها وبين مؤسسة الشورى، تبقى الكلمة الأعلى لمجلس الشورى. حتى أن لقاء باريس مع الباجي قائد السبسي، كان بمبادرة شخصية أيضاً، وهذا الخيار صنع الاستثناء التونسي، وقاد إلى جائزة نوبل وأضحى محل إجماع.

* يقول مراقبون إن حركة النهضة تقود حركة تجديد في المنطقة من خلال مراجعاتها، هل يعني ذلك أن الحبل السري مع حركة الاخوان المسلمين قد قُطع؟

لا أريد أن أحكم على بقية إخواننا في الحركات الاسلامية فكل له ظروفه، وفي تقديري أننا نحن أيضاً نتطور والأمور تطبخ على نار هادئة. لقد عقدنا 270 مؤتمراً، وحجم الاجتماعات واللجان والندوات والنقاشات كان هائلاً، حتى لو بدت القرارات أحياناً سريعة، لكن هناك دائماً نقاشات وتروّي، حتى مجلس الشورى الذي من المفترض أن يجتمع لمرة واحدة اجتمع مرات عدة، مؤسسات الحركة تراقب وتناقش كل شيء، ولا توجد جهة في الحركة قادرة أن تمضي من دون توافق، يمكن أن تؤخذ قرارات لكن لا بدّ أن توافق عليها المؤسسات وإلا تلاشت.

* بعض قيادات النهضة تدعو لتوضيح ما التبس في الأذهان حول علاقة النهضة بالاخوان المسلمين، وتوضيح الموقف بشكل نهائي وقاطع، بألا علاقة تنظيمية أو سياسية مع حركة الاخوان المسلمين، ما تعليقكم؟

هذا ما أكدته كل القيادات مراراً، نحن تنظيم مستقل وقراراتنا مستقلة، ولطفي زيتون (مستشاره السياسي) تحدث عن هذا الأمر وكذلك عبد الحميد الجلاصي أيضاً. وهو ما يستنتج منه ألا اختلاف حول هذا المعطى داخل النهضة، من المؤكد أن هناك علاقات فكرية تربطنا مع بقية الطيف الاسلامي في المنطقة، لكن تبقى لكل ظروفه ومؤسساته المستقلة لاتخاذ القرار.

* لكن ألا تحتاج الحركات الاسلامية المعتدلة لمراجعات فكرية إزاء هذه المتغيرات الكثيرة في العالم؟

إنها تراجع نفسها الآن، لكن الإسلاميين المغاربة هم غير الإسلاميين الجزائريين أو الإسلاميين الليبيين، إذ ليس هناك من تناسخ بين الحركات الإسلامية، وهذا جوهر الاسلام.

* كيف تقارن بين اللحظتين قبل الثورة (2010) عندما كنتم في المهجر وبعد الثورة، هل كنتم تتصورون أن النهضة ستصبح هذا الحزب الكبير، الأكثري في البرلمان والمشارك في الحكم؟

كتبت مقالاً في السبعينات عن “النهضة في تطور”، والتطور يساوي احتفاظ وتجاوز. هكذا هي النهضة، دائماً في تطور وتجاوز للأشكال. في انتخابات عام 1989 حصلنا على الأغلبية، وتدخّلت موازين القوى المحلية والدولية للإطاحة بنا، وظللت 23 عاماً على يقين بأن اللحظة آتية، وسيستعيد الشعب التونسي سلطته وسيعيد انتخابنا مرة أخرى. لا مبرر أن يتراجع الشعب التونسي عن اختيارنا مرة أخرى وتجربتنا، (الرئيس المخلوع زين العابدين) بن علي، لم يقم إلا بتأخير تطوّرنا، وحين سقط السدّ المكوّن من قوى محلية ودولية، أعطانا الشعب التونسي فرصة لنحكم، وفي عام 2014 وجّه إلينا تنبيهاً، لأن أداءنا لم يكن في المستوى المطلوب ولكنه لم يسحب الثقة، ونحن قرأنا الرسالة جيداً.