أنور الجمعاوي -تحوّلات معركة بنقردان

مثلت معركة بنقردان تحولاً نوعياً في مسار المواجهة بين تنظيم داعش والسلطات التونسية، ويمكن رصد ملامح هذا التحول غير المسبوق في الصراع بين الطرفين، من خلال عدة مظاهر، لعل أهمها طبيعة الهجوم الذي شنه تنظيم الدولة الإسلامية، من جهة عدد المشاركين فيه وعدّتهم، ومن جهة نوعية الخطة التي اعتمدها المهاجمون، والأهداف التي راموا بلوغها من استهداف المدينة.

والتحول مشهود أيضاً في مستوى جاهزية القوى المسلحة التونسية، وكيفية تعاطي المواطنين مع الحدث الإرهابي. فالظاهر في مستوى الحضور الميداني لعناصر داعش في أثناء المعركة الدامية التي أدت إلى مقتل 19 مواطناً بين مدنيين وعسكريين، وإلى مصرع 50 إرهابياً، واعتقال 14 آخرين، أن التنظيم خاض المعركة، هذه المرّة، مستجمعاً عدداً كبيراً من عناصره المسلحة (حوالي 70 عنصراً)، مستحضراً عتاداً عسكرياً حربياً غير مسبوق (قذائف، قنابل ضوئية، راجمات، كلاشنكوف…)، مستفيداً من مخازن سلاح ثابتة (7)، وأخرى متحركة (سيارات متنقلة محمّلة بالسلاح)، مبثوثة في مناحٍ مختلفة في المدينة. وهو ما يخبر أن داعش انتقل عملياً من مرحلة شن هجماتٍ خاطفةٍ على الجيش والشرطة والدرك والمؤسسات السياحية التي قادها ذئب انغماسي، أو خلية نائمة، لينتقل إلى مرحلة شن هجوم مسلح، مكثف واسع يروم الاستيلاء بقوة السلاح على مركز المدينة، وطرقها ومداخلها ومفاصلها الحيوية. واستعان التنظيم في ذلك بأتباعٍ له، يعرفون دروب المدينة وأهاليها ومسالكها، والمؤسسات الحيوية فيها.

وراوحت خطة داعش تكتيكياً، بين المباغتة والمجازفة، وبين إحداث الصدمة، وتعمّد تشتيت الجهود الأمنية والعسكرية، فقد توزع الإرهابيون إلى فرقٍ هاجمت، في وقت واحد، مراكز سيادية مختلفة (ثكنة الجيش، منطقة الحرس، المعتمدية …). وكان المراد من تعديد الهجمات المتزامنة وتنويعها إرباك الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتعطيل جهود التنسيق بينها وفاعلية التصدي عندها، وإحداث حالةٍ من الفوضى العامة، لبث الرعب في صفوف المواطنين، وإشاعة الخوف، تمهيداً للاستيلاء على المدينة. وبدا واضحاً في استهداف التنظيم المراكز السيادية المذكورة أنه كان يتقصّد استبدال الرمزية المؤسسية الدالة على النظام الحاكم في المدينة، برمزيةٍ جديدةٍ، عنوانها “الدولة الإسلامية”، وتجلى ذلك في قول بعض عناصر التنظيم لشهود عيان من الذين أفزعهم أزيز الرصاص، ونزلوا إلى الشوارع يستطلعون جلية الأمر: “اطمئنوا… نحن أبناء الدولة الإسلامية… جئنا لتحريركم من الطاغوت”. وفي ذلك دليل على أن الجماعة لم تقف، هذه المرة، عند مجرد إنهاك الخصم والنكاية به، بل تعدت ذلك إلى استمالة الناس واستتباعهم قصد التمكين للذات، بديلاً عن النظام المدني القائم. وتم، في هذا السياق، استدعاء شعار “التحرير”، لإضفاء شرعيةٍ موهومةٍ على الهجوم الدامي من ناحية، ولإيهام الناس بغدٍ أفضل من ناحية أخرى. والملاحظ، هنا، أن التنظيم لم ينتظر نهاية وطيس المعركة، ليعلن تبنيه الهجوم، بل صرح بهويته للمواطنين، وحاول استقرابهم على كيفٍ ما، وبدا ميالاً إلى ممارسة سياسة القتل الانتقائي على الهوية، مركّزا على استهداف العسكريين والأمنيين الذين يعتبرهم ممثلي “الطاغوت”.
ومن ثمّة، فإن داعش، بهجومه المسلح المنظم والصادم على مراكز السيادة، وبخوضه، أوّل مرّة، معركة شوارع مباشرة مع القوات المسلحة، كان يبحث عن ظهورٍ استعراضيٍّ ودعائيٍّ من ناحية، وكان ينشد التمركز في المدينة، وتحويلها إلى قاعدة تابعة له من ناحية أخرى. تحقيقاً لشعار “الدولة الإسلامية باقية وتتمدد”، وهروباً من وطأة الضربات التي واجهها التنظيم

في ليبيا شرقاً وغرباً. وداعش على دراية أكيدة بالأهمية الاستراتيجية للمدينة، فالسيطرة عليها توفر له بوابة على ليبيا، ونافذة على الجنوب التونسي، وتفتح له مسالك الإمداد والانتشار جنوب الصحراء. لكن جاهزية القوات المسلحة التونسية وحرفيتها، واستعدادها القبلي لهجومٍ متوقعٍ من الحدود الليبية مكّنها من تحمّل الصدمة، والتعامل معها بشكل فوري ناجع، فانتقلت سريعاً من الرد الدفاعي – الردعي إلى مهاجمة المسلحين، ومحاصرتهم وتعقّبهم. وكان لالتفاف المواطنين حول الجيش دور أساسي في إفشال مخطط داعش، وتكبيده خسائر فادحة. والمرجّح أن التنظيم كان يتوقع مؤازرة الأهالي له، ونفيرهم لرفده ونجدته، لكن ذلك لم يحصل، إذ انفضَّ الناس من حوله، وتضامنوا مع القوات المسلحة، معبّرين عن تمسكهم بعرى الوحدة الوطنية في مواجهة الخطر الداهم.
ومع ذلك، تثير “غزوة بنقردان” عدة أسئلة، منها: كيف تسلّل الإرهابيون، ومن أين جاؤوا؟ مَن وفّر لهم وسائل الاستقرار والتخفي في المدينة؟ كيف تسنى لهم تمرير كل تلك الأسلحة إلى التراب التونسي؟ لماذا لم يتم التفطّن إلى مخططاتهم مسبقاً؟ وقبل هذا وبعده، لماذا أقدم عدد من شباب تونس على رفع السلاح في وجه الدولة؟ تلك أسئلة في انتظار أجوبة موضوعية مقنعة.
الثابت أن تونس كسبت معركة بنقردان، لكنها لم تكسب بعد الحرب على الإرهاب، وهو ما يقتضي تطوير وسائل التوقي والمراقبة، وتقنيات التصدي والمتابعة، وقنوات الاستخبار والاستباق، وآليات الاستشراف والمواجهة والمعالجة. –