عبد الباري عطوان: “قرار روسي مفاجئ يخلط جميع الأوراق ويُحدث ارتباكا إقليميا ودوليا”

قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القسم الأكبر من القوات الروسية في سوريا اعتبارا من الغد الثلاثاء جاء مفاجئا، وينطوي على الكثير من “التسرع″ مما يوحي بأنه جاء كرد فعل على “امر ما” اغضب القيادة الروسية.

الجانبان الروسي والسوري قالا في بيانات رسمية ان هذه الخطوة جرى اتخاذها بالتنسيق بين الرئيسين بشار الأسد ونظيره الروسي بوتين، لأن هذه القوات الروسية “أنجزت” مهمتها، ولكن السؤال هو لماذا الآن، ومع بدء مفاوضات جنيف للوصول الى حل سياسي للأزمة السورية برعاية الأمم المتحدة؟

هناك تفسيران لا ثالث لهما لمثل هذه الخطوة الروسية التي خلطت الأوراق، وأحدثت حالة من الارتباك على الصعيدين الإقليمي والدولي:

الاول: ان تكون القوات الروسية انجزت مهامها فعلا بعد ان وفرت الغطاء الجوي لقوات الجيش العربي السوري على الارض، وبما مكنه من استعادة مناطق كثيرة خسرها للمعارضة المسلحة خاصة في ريف حلب الشمالي، واغلاق الحدود التركية السورية، ومحاصرة مدينة حلب، والمرحلة الحالية مرحلة وقف الاعتداءات والمضي قدما في محادثات السلام.

الثاني: ان تأتي هذه الخطوة الروسية “الغاضبة” كرد على التصريحات التي ادلى بها السيد وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، يوم السبت الماضي، وقال فيها ان الرئيس الاسد خط احمر وملك للشعب السوري، ولا انتخابات رئاسية وبرلمانية دون اشراف الحكومة السورية، او تلك التي ادلى بها اليوم الاثنين السيد بشار الجعفري، رئيس الوفد السوري المفاوض، وقال فيها انه لا يوجد شيء اسمه مرحلة حكم انتقالي ولذلك لن يتم التفاوض بشأنها، واعتبار واشنطن هذه التصريحات اجهاضا للمفاوضات، وخرقا لتفاهماتها مع موسكو.

نرجح الاحتمال الثاني في ظل المعلومات غير الكافية، فروسيا ربما تعرضت لضغود شديدة من قبل “شريكها” الامريكي بسبب هذه التصريحات التي تعتبرها المعارضة وداعمها الامريكي نسفا لمفاوضات جنيف في يومها الاول، لان هذه المعارضة تصر على المرحلة الانتقالية لهيئة حكم بصلاحيات كاملة، ورحيل الرئيس الاسد قبل بدئها.

لا نجادل مطلقا بأن سحب “الجزء الاكبر” من مجموعة الطيران الروسي الحربي، وابقاء مركز مكلف بضمان تحليقات طيران بهدف “مراقبة” تنفيذ شروط وقف الاعمال القتالية، جاء بالتنسيق مع القيادة السورية، ولكن المهمّ في هذه العجالة ليس “التنسيق” وانما “سحب” القوات والطيران المفاجيء.

هناك عدة امور ربما تترتب على هذا القرار السوري ميدانيا وسياسيا، على الارض، وفي المحافل الدولية، ومفاوضات جنيف التي لم تبدأ بشكل جدي بعد:

اولا: انسحاب الجزء الاكبر من مجموعة الطيران الحربي الروسي، ومعظمها طائرات حربية قاذفة ومقاتلة حديثة ومتطورة مثل طائرة “سوخوي 35″ التي تضاهي نظيراتها الامريكية، سيحدث “فراغا”، والطائرات السورية قديمة وغير متطورة، فمن سيملأ هذا الفراغ؟ ولا يمكن ان تكون بديلا للغطاء الجوي الروسي.

ثانيا: ما هو موقف ايران من هذه الخطوة الروسية المفاجئة، وهل يمكن ان تعوض قواتها وطائراتها هذا الانسحاب الروسي؟

ثالثا: هل القرار الروسي هذا جدي ام انه محاولة للضغط على القيادة السورية للاستماع الى “نصائحها” مثلما طالب فيتالي تشوركين مندوب روسيا الدائم في الامم المتحدة قبل اسبوعين، في ذروة غضب حكومته على تهديد الرئيس الاسد في مقابلة مع وسيلة اعلام اسبانية بعدم وقف اطلاق النار ومواصلة الحرب على الارهاب حتى تحرير جميع الاراضي السورية؟

رابعا: ماذا سيحدث في مفاوضات جنيف بعد هذه الخطوة الروسية، بمعنى آخر هل ستتراجع السلطات السورية عن رفضها اي تفاوض حول خريطة الطريق التي اتفق عليها الجانبان الروسي والامريكي، وتنص على الحكم الانتقالي وتعديل الدستور واجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في غضون 18 شهرا؟ وهل ستضغط واشنطن على حلفائها في المعارضة للتراجع عن موقفها وتقدم تنازلات؟

نعترف بأننا فوجئنا، مثل الكثيرين، بهذا القرار المفاجيء والحاسم للرئيس بوتين، ونشعر ان هناك “ازمة” في العلاقات السورية الروسية، وصلت ذروتها قبل ايام من انعقاد مؤتمر جنيف بسبب تحفظات سورية على نقاط عديدة ابرزها ترك مصير الرئيس الاسد “غامض”، واعطاء صلاحيات كبيرة لحكومة المرحلة الانتقالية على حساب صلاحياته كرئيس للجمهورية.

ما يجعلنا نقول ذلك، التصريحات “الصقورية” التي ادلى بها السيد محمد علوش، كبير مفاوضي وفد الرياض المعارض، الذي اكد ان الرئيس الاسد يجب ان يرحل في العملية السياسية او يقتل، واكد فور وصوله الى جنيف انه ذاهب للتفاوض على استلام الحكم وليس قبول وزارة للزراعة او الصحة او بعض وزارات هامشية، فهذا “النفس″ لا يمكن ان يأتي من فراغ.

لا نعرف ما هي طبيعة التطورات في هذه “الازمة” التي ستظهر على السطح في الايام والاسابيع المقبلة، لكن ما نعرفه جيدا ان الرئيس الاسد مصمم على البقاء في قمة السلطة وبصلاحياته كاملة دون اي نقصان، وسيقاتل حتى النهاية مثل الرئيسين صدام حسين ومعمر القذافي، ومن الصعب ان نراه متنازلا عن الحكم لخصومه مهما كانت النتائج، والا لما تمسك بموقفه هذا طوال السنوات الخمس الماضية من عمر الازمة.

الأيام المقبلة حافلة بكل انواع المفاجآت، والعيون والآذان الآن مصوبة نحو طهران وموقفها، وردة فعلها تجاه القرار الروسي، وليس امامنا اي خيار آخر غير الانتظار والمراقبة، مع التأكيد على ان الاخطار كبيرة، والتصعيد العسكري وارد على مختلف الجبهات، ومن كل الاطراف، ومؤتمر جنيف بات امام مفترق طرق من اتجاهين: واحد نحو الانهيار، والاخر ليس نحو النجاح، وانما كسب الوقت والمناورة بالتالي.