وجه آخر لتاريخ تونس : شهادة نادرة لحمادي غرس

قدّم حمادي غرس (84سنة) وهو أحد ضحايا اليوسفي/البورقيبي، شهادة في الجلسة العلنية الثانية لهيئة الحقيقة والكرامة، كشف فيها عن “معاناة ذاتية لشخص اختار نهجا وهدفا” رأى أنه يناضل من أجله ضد المستعمر.

هذا الثمانيني الذي ترك ذاكرته متّقدة كما لو أنه في العشرينات من عمره، تطرق الى التفاصيل الدقيقة التي عايشها رفقة رفقة زملائه طيلة فترة الكفاح المسلح ضد المستعمر الفرنسي وأسباب الخلاف اليوسفي البورقيبي الذي انتهى بجريمة دولة، على حد قوله.

وقال غرس إن شهادته ترمي بالأساس إلى انصاف الذاكرة القومية وإزاحة الغش عن تاريخها وإنارة الرأي العام والأجيال الجديدة.

وقد انطلقت مسيرة هذا المقاوم مع النضال ضد الاستعمار الفرنسي، منذ مؤتمر الحزب الدستوري الجديد في جانفي 1952 كما شارك في عدة مظاهرات اندلعت إثر هذا المؤتمر، ثم دخل مرحلة الكفاح المسلح سنتي 1953 و 1954.

في هذا الصدد، أكد غرس أنه أمام عجز السلطة الاستعمارية في القضاء على المقاومة الوطنية، تدخل رئيس فرنسا “مونداس فرانس” واتصل ببورقيبة الذي كان يقيم بالمنفى، حيث قرر رفع الإقامة الجبرية على بورقيبة وقام باستدعائه الى باريس، وعقد معه لقاءات سرية وافق في آخرها بورقيبة على مشروع للحكم الذاتي بتونس.

وأشار غرس إلى أن بورقيبة أعلم القيادي في الحزب الحر الدستوري صالح بن يوسف في القاهرة عن أهم المعطيات المتعلقة بهذا المشروع، فقبل بن يوسف مبدأ الدخول في التفاوض، ولكنه رفض بعد ذلك فكرة الحكم الذاتي لأنه اعتبر أنه لا يضع حدا لنظام الحماية على تونس.
وأشار قائلا “التونسيون في تلك الفترة كانوا يعتقدون أن الفرنسيين سيرحلون وكانوا ينتظرون مصالحة وطنية ولكنهم وجدوا أن المسألة لم تتغير”.

وأضاف أن هذا التصرف لم يكن له أي تفسير سوى أن بورقيبة كان مشغولا بإحداث المجلس التأسيسي أكثر من انشغاله على تحقيق الاستقلال، مشيرا إلى أن بورقيبة كان يسعى لأن يكون المجلس التأسيسي متكونا من مسانديه وذلك ما سيمكنه من خلاله إعلان الجمهورية التي سيكون رئيسا لها.

وأكد غرس أنه في تلك الفترة بقي الجيش الفرنسي بتونس وقام بقتل مئات الشبان الذين كانوا يتحصنون بالجبال. وقال إن لديه شكوكا في أن هناك جثث لأولئك الشبان، لم تدفن وبقيت في العراء ببعض الأودية والجبال.

وكان محمد صالح بن غرس المعروف بـ”حمادي غرس”، يشغل خطة مدير تجاري في احدى الشركات العالمية وكان من المعارضين لاتفاقيات الاستقلال الداخلي لتونس، باعتبارها “لا تضمن كافة مقومات السيادة الوطنية” وذلك ضمن المجموعة الداعمة للأمين العام للحزي الدستوري صالح بن يوسف، خاصة بعد دعوة بورقيبة المقاومين لتسليم أسلحتهم في ديسمبر 1956.

وتولى حمادي غرس الذي كان يترأس فريق مناضلين بالدائرة الترابية التي تشمل العمران وتونس العاصمة والمرسى، أعمال تحضير القنابل والمفرقعات، فتم ايقافه في 22 ماي 1956 عن طريق المحاصرة في جبل سيدي ثابت من قبل قوة عسكرية تابعة للنظام البورقيبي وتم نقله الى مكان غير معلوم وحوكم أمام محكمة القضاء العليا وهي محكمة استثنائية من أجل تكوين عصابة مفسدين والنيل من أمن الدولة وحمل السلاح.

وصدر حكم في حقه بتاريخ 24 جانفي 1957 بالسجن مدة عشرة سنوات قضى منها 5 سنوات، مع اخضاعه للمراقبة الادارية لمدة عشرة أعوام أيضا.

ومنذ 22 فيفري 1962، فرضت عليه “المراقبة الادارية” وعدم مغادرة مساحة ترابية مع اقامة جبرية بمدينة منوبة وذلك بغاية إبعاده عن مقر اقامته بالمرسى.

وقضى المقاوم حمادي غرس العقوبة بين سجن 9 أفريل و”الزندالة” بباردو وغار الملح، وكانت ظروف الاقامة مهينة ولا يتوفر فيها الجد الأدنى من مستلزمات السلامة الصحية ،مما أدى إلى خضوعه لعملية جراحية على مستوى الساق.