الأمطار في تونس… بين استجابة الدعاء و كشف مواطن الداء

عبد الجليل الجوادي

رغم المكذبين و المشككين من بني علمان و غلمان الإستحمار الثقافي، تأبى مشيئة الله إلا أن تستجيب لدعاء الموحدين المؤمنين بقدرته تعالى على كشف الضر عن هذا البلد الذي بات يتهدده العطش بعد سنوات من الجدب.
صلاة الإستصقاء سنة نبوية لم يخلو منها زمان و ليس فيها استنقاص للعقل و لا تحويل لوجهة العلم من البحث العقلي إلى الشعوذة كما يصورون و يروجون. و يا ليتهم اكتفوا بهذا التشكيك كموقف شخصي، فليس الإيمان سيفا مسلطا على الرقاب و لكل إنسان حرية التصديق و التكذيب وفق ميولاته و قناعاته الشخصية. و لكنهم تمردوا و تطاولوا و بثوا الفتنة في صفوف هذا الشعب المسلم للتشكيك في ثوابته.

جائت الأمطار رسالة من السماء إلى الأرض لتغسل كدر السنين و تجلو الأحزان عن القلوب التي ما طفقت تغتالها الفواجع و النكبات طيلة عقود من الزمن. و لتثبت الإيمان في قلوب الموحدين بقدرة خالقهم و رحمته التي وسعت كل شيء حتى المشككين في قدرته فلم يستثنيهم من رحمته. وجائت سيول الماء لتجرف طبقات المساحيق التي سعت من خلالها الحكومات المتعاقبة إلى مغالطة المواطنين عبر جرع من الإنجازات الوهمية من طرقات و جسور و بناءات عصرية و طرق سيارة لم تصمد أمام هذه السيول الجارفة.
و بدلا من أن نرجع باللوم على السياسات الخاطئة و المخططات الفاشلة للوقوف على عمق البلية، يستمر مسلسل الإستحمار و الإستهتار مع أشباه الصحافيين و دخلاء المهنة الذين تدفعهم أنفسهم المريضة للإستهزاء بعقيدة هذا الشعب و تصوير صلاة الإستسقاء بمثابة المصيبة التي حلت بالبلاد و العباد…..

كم كان جديرا بنا أن تعلو أصواتنا في مواجهة الظلم و القمع و التهميش الذي مورس علينا سنوات طويلة. و أن ننقد بموضوعية و جرأة المخططات المفلسة التي نجني الآن ثمارها انطلاقا من عاصمة الحكم إلى جميع الولايات. عواصم تكتض بالسكان و تضيق طرقاتها عن تحمل شلال من السيارات و الدراجات و غيرها من وسائل النقل الثقيلة و الخفيفة حتى بات التحرك داخلها معضلة تضيق بها النفوس و تحترق الأعصاب ليلا و نهارا. كنا في ما مضى نعاني من الإزدحام في أوقات الذروة و لكن الآن، لا يخلو وقت من الإزدحام القاتل.
الذين بنوا تونس الحديثة، بمعنى البلد الذي يقيم نفسه بعد مرحلة الإستعمار، لم يكن لديهم تصور لما ستؤول إليه الأمور بعد ستة عقود من الإستقلال، لأن مخططاتهم كانت قصيرة المدى. هم عاشوا لأنفسهم ليلبوا رغباتهم و نزواتهم و يستمتعوا بأقصى درجات المتعة من القصور و الخدم و العسس…. و حفلات أعياد الميلاد و النصب التى تخلد أمجادهم المزعومة و سخروا لأنفسهم كل طاقات الدولة حتى صارت الدولة بجميع مؤسساتها مشخصة فيهم…. و صاروا يرون في أنفسهم القائد الملهم الذي عليه الأمر و على الجميع السمع و الطاعة..
و يتواصل مسلسل التفقير و التهميش للجهات الداخلية عبر ما يزيد عن عقدين من حكم الطاغية أخضع فيها جميع أجهزة الدولة لخدمته و خدمة أصهاره و أخرس كل الأصوات و كمم اللأفواه و واجه معارضيه بالقمع و التهجير و الهرسلة حتى صارت البلاد أشبه ما تكون بمعسكر أمني يخنق جميع الأنفاس.
و الآن، تفوح رائحة الرشوة و المحسوبية مع أول قطرات مطر تنزل على أرض هذا البلد المصاب بداء السلب و النهب. فتنفلق الطرقات الأسفلتية المغشوشة و تسقط الجسور التي بنيت بمناقصة لم تراع فيها إلا مصلحة الراشي و المرتشي…
من أعطى ليسطو على حقوق الآخرين و يفتك منهم صفقات موبوئة…و من أكل ظلما و سحتا و ساهم بخيانة الأمانة في بيع وطنه من أجل بطنه…
هم ظلموا و تعدوا و أكلوا الأموال بالباطل و نحن جميعا ندفع الثمن و أكثرنا تضررا لا شك، أولئك المفقرين المهمشين الذين لم ينلهم من الوطن سوى الإنتساب إليه في الأوراق الرسمية. أما في الواقع، فهم من نسيتم و تجاهلتهم عدسات الصحفيين و سقطوا من طرة مقالاتهم يوم كان ينشد المنشدون “بالأمن و الأمان يحيا هنا الإنسان”
أما آن لنا أن نخجل من أنفسنا؟
يا أيها المتلونون المتزلفون المتسلقون على هموم الناس و آلامهم.
أيها المتاجرون في المآسي البائعون أنفسهم لمن يدفع، الآكلون على موائد الفقراء من دموع البؤس، أما آن لكم أن تخرس ألسنتكم؟
أليس في قلوبكم رحمة أو في ضمائركم ذرة إحساس؟
إن لم يكن في إمكانكم أن تقولوا كلمة الحق فأضعف الإيمان أن تصمتوا و لا تكونوا حليفا للظلم، فلقد انكشفت جميع عوراتكم كما انكشف الخور الذي ينهش أوصال هذا البلد مع سيول الماء الجارف التي عرت كل شيء.