حسن بن عثمان يكتب عن ‘حجة الغنوشي و الذنب المغفور’…

كتب الإعلامي و الكاتب التونسي حسن بن عثمان المقال التالي:
على وزن الريشة
حجّة الغنوشي… والذنب المغفور؟
بقلم: حسن بن عثمان
في سنة 2004 أدى الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الحج إلى مكّة المكرّمة، بيت الله الحرام، هو وعائلته، وقد تمت تهنئته في مجلّة الملاحظ الأسبوعية حال عودته هو وعائلته بالصياغة الصحفية التالية :
ـ حج مبرور وسعي مشكور… فقط… مع أن المأثور في التهنئة بعد العودة من الحج هو الدعاء للحجيج بالحج المبرور والسعي والمشكور والذنب المغفور، أما في حالة الحاج زين العابدين بن علي، رئيس الجمهورية التونسية، فقد اسْتُبْعِدَ الذنب المغفور من دعاء التهنئة، باعتبار أن الرئيس بلا ذنوب، وليس مثله مثل خلق الله جميعا، ليغفر الله له في الحج للبقاع المقدسة ذنوبه وأخطاءه، وذلك حسب الذهنية الإعلامية في البلاد في ذلك الزمن من تأليه الرئيس وتنزيهه عن الذنوب والأخطاء والخطايا، رئيس الدولة الذي كان يتلقى الهتاف التجمعي الوطني على الصيغة التالية:
ـ زين العابدين إلى أبد الآبدين
***
تذكرت تلك الأجواء السياسية والدينية والإعلامية، التي كانت سائدة قبل الثورة، بمناسبة حج الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة لهذه السنة، وكيف أن الإعلام التونسي لم يتوقف عند هذه الحجّة التاريخية للبقاع المقدسة، من قبل شيخ الإسلام السياسي التونسي واتحاد المسلمين العالمي، في مثل هذه الظروف الدولية الغريبة، شديدة التطاحن والحروب، حيث قررت المملكة العربية السعودية منع الحجيج المسلمين الشيعة من إيران ومن غيرها من البلدان والمناطق الشيعية أو الموالية للشيعة الإيرانية، كإجراء استباقي لحماية الحجّ من الصراعات المذهبية الذهنية المسلحة، القائمة على قدم وساق بين أهل السنّة والجماعة، وبين أهل الشيعة وآل البيت، بين النواصب والروافض، على الميدان الحربي القتالي، وعودة فتيل الفتنة الإسلامية الكُبرى ومعركة خلافة الرسول وخلافة دينه ودولته، إثر وفاته، عليه الصلاة والسلام، التي مرّ مضى عليها خمسة عشر قرنا من قرون التاريخ والصراعات، ومازال الذين اعتنقوا دينه الإسلامي يخوضون في مسألة خلافته بالدم والحديد والنار وما تمطره السماء الحديثة وطيرانها من مبيدات ومفرقات وقنابل وبراميل للقتل الجماعي الأعمى، تحت أبصار عيون العالم وحقوق الإنسان ووسائل الاتصال الحديثة.
***
مرّت علاقة زعيم حركة النهضة التونسية بالمملكة العربية السعودية، عاصمة الإسلام السنّي الوهابي، بمراحل عديدة. وسبق منع الشيخ راشد الغنوشي من أداء مناسك الحج عندما كان مقيما بمهجره اللندني قبل الثورة بسنوات قليلة، ولم يسمح له بالسفر في مطار لندن وعاد أدراجه ليصدر بيانا باسم حركته يستغرب فيه سلوك المملكة، دون تنديد ولا مزايدة لغوية…
خلال الثورة التونسية مرّت تلك العلاقة، أيضا، بفترات مدّ وجزر، وفق إيقاع تحالفات تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، ومشروعهم في الخلافة داخل دولهم تمهيدا لاستئناف الخلافة الإسلامية على كل الدول الإسلامية، من السند إلى الهند، حيثما رفعت شهادة الإسلام والتوحيد.
من دلائل غموض العلاقة بين تنظيم الإخوان المسلمين، ومنهم حركة النهضة، مع المملكة العربية السعودية التي في هي حالة عداوة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حضور الشيخ راشد الغنوشي في احتفاليات سفارة إيران بتونس في ذكرى الثورة الإسلامية الإيرانية في هذه السنة.
علما أن الشيخ راشد الغنوشي كان معجبا بالثورة الإيرانية ومغرما بالزعيم الملهم للثورات الإسلامية آية الله الخميني، وصار الشيخ الغنوشي في المدّة الأخيرة يحذّر بطرف خفيّ من الخطر الشيعي…
***
دعت إيران، في هذه السنة، وفي سنوات قبلها، كلّما احتدم الصراع القومي بين القوميات الخمس التي شكّلت الخلافة الإسلامية التاريخية، العرب والفرس والترك والكرد والأمازيغ، دعت إيران المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، عن طريق مراجعها الدينية والسياسية الرسمية، بصريح العبارة، إلى غزو مكّة وتحريرها من حكم آل سعود، من أجل أن يكون البيت الحرام تحت إدارة أممية يشارك فيها كل المسلمين من مختلف المذاهب والطوائف والشعوب والبلدان، دون أن تستأثر المملكة باحتكار قبلة المسلمين ومهبط الوحي الإلهي. وتلك دعوة قديمة متجددة في العصر الحديث، سبق أن نادى بها العقيد الليبي معمّر القذافي، الذي كان يشاغب العائلة السعودية المالكة بكتابه الأخضر ودعوته العالمية الثالثة وأمانته للقومية العربية، خليفة للزعيم المصري جمال عبد الناصر.
كان البيت الحرام دائما هو قبلة المسلمين ودائما كان هو محور الصراع الديني والدنيوي، ومن يتولّى فيه الإمامة فقد صار إمام المسلمين الذين يؤمنون بالقبلة وبالبيت الحرام والرسالة المحمدية، رغم أن إيران هددت بتحويل القبلة إلى مراقد الأيمة الشيعة في روضاتهم المقدسة بين قم والكوفة وكربلاء…
***
***
الأماكن المقدسة في الدين الإسلامي هي الثروة الروحية الماثلة للدين المحمدي، وهي أهم من ثورة البترول والغاز والبترودولار ومختلف الطاقات الطبيعية والعملات الصعبة، لأنها طاقة روحية لا تنفذ، وتتجدّد من تلقاء ذاتها حيث التدافع الكوني وتدافع الطاقات المتجدّدة والأرواح المشدود إلى منابع الوحي والأماكن المقدسة والذبائح والفداء.
***
ما يزيد في أهمية حَجَّة الشيخ الغنوشي لبيت الله، هو أنها تتزامن مع حدث خطير، هو الآخر، لم يتعرّض له الإعلام التونسي من قريب ولا بعيد، لجهالة متمكّنة بالإعلام التونسي الذي لا ينظر أبعد من معركة الغنيمة التونسية بين القبائل، أما الحدث الخطير جدّا فهو ذلك المؤتمر الذي تمّ خلال هذه الفترة من الحج، وعُقد في في مدينة غروزني عاصمة الشيشان، في حضور الرئيس الشيشاني رمضان احمد قديروف ورعايته، ومباركة غير مباشرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحمل عنوان: “من هم أهل السنة والجماعة”. وهو مؤتمر حضره ممثلون عن جامع الأزهر المصري، وأقصي عنه علماء السعودية وممثلين عن المذهب السنّي الوهايبي، وكذلك رموز الإخوان واتحاد علماء المسلمين، وذلك من أجل عزل السعودية ووصمها بالإرهاب العالمي، لتكون كبش فداء للإسلام الجهادي.
***
علاقة روسيا بالإسلام علاقة وطيدة جدّا، سواء قبل الاتحاد السوفياتي أو بعده، فالكثير من البلدان الإسلامية في القارة الآسوية، والكثير منها تحت الرعاية السوفياتية، ومنها، أفغانستان، التي كانت جمهورية سوفياتية وهي التي كانت العامل الرئيس في سقوط الاتحاد السوفياتي وخروجه من سباق حرب النجوم.
***
هذه معاني خطيرة تؤثر مباشرة في طبيعة الحياة السياسية في البلاد وطبيعة صراعاتها وتحالفاتها في شقوقها العميقة وما يفعله بنا الأشقاء والأصدقاء وما تفعله تونس في صراع البقاء. بمعنى أننا لسنا بصدد ثرثرة الكتابة وتكرار الأخبار التي تتفادى لبّ الموضوع، جهلا للموضوع ولبّه، أو تعتيما على الموضوع من أصله من أجل مزيد ترويج البلادة في البلاد المحكومة بالشيخين، واحد يخاطب السعودية وواحد يخاطب الأمريكان، عن شعب تونسي ومتّى يتشيّع ومتى يتسنّن وتكون له أسنان… وتلك من الأمور الفادحة في غيبوبة الشعب الذي ينتظر فتنة ما، من أجل التخلّص من عطالته، التي كأنها مزمنة، زادها عمر زمان الشيخين في البلاد يتكتكان في تكتك بلا محطّات تركية توجّهنا نحو خلافة إسلامية، راهن عليها فيلسوف الإسلام السياسي، أبو يعرب المرزوقي، وتعلّق برقبة أتاتورك ورقبة أردوغان إلى آخر رمق، وصار أبو يترك، عوض أبو يعرب، وهو الذي اسمه الحبيب، وكان يكره اسمه لأنه يكره الزعيم بورقيبة في أصله وفصله واسمه فعتّم عليه بكنية يعرب…
***
الإسلام الزيتوني في حجّه وفي قبوعه ودوره في مثل هذه الأحداث والنوازل المزلزلة وكأنه مغيّب برغبته وإرادته واكتفائه من الحج بأربعين حاجا للبيت الحرام من الدوائر الرسمية تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية التونسية والمحاصصة الحزبية بين النواب والأتقياء، وهو إسلام رسمي مازال يقدّم الفتوى حسب الطلب وحسب رؤية الهلال؟؟؟
***
في هذه الريشة شئنا معايدة الشيخ وتهنئته على حجّه المبرور وسعيه المشكور… أما فيما يخص الذنب المغفور، فلا نعلم ما هو ذنب الشيخ الذي يستحق الغفران ورمي الجمرات على الشيطان…
فهل للشيخ ذنب مغفور في حجّته الأخيرة؟ ذلك ما لم يخبرنا عليه الإعلام التونسي الندائي النهضوي، وقتل الوقت وطحن الفراغ.
ـ حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور…
للشيخ راشد الغنوشي
أما للشيخ الباجي قايد السبسي فحجّه هو الآخر مبرور وسعيه مشكور وذنبه مغفور في زيارته التاريخية الأخيرة للمنتظم الأممي.
تونس الثورة تشرّق وتغرّب في حجّها الديني والسياسي، كما عهدها في كفاحها ودولة استقلالها.
وما ينقص هو الاطلاع على تفاصيل حجّة الشيخ راشد الغنوشي، وسرده المضاد لتجربة الإخوان، وكيف كان ضميره الإيماني الديني وضميره التونسي الدنيوي، وهو يتتونس، أو، وهو يمثّل النمط التونسي في الاختيار الحضاري بين الأنماط، ومنها النمط الوهابي السعودي؟
عسى أن نعرف مسالك غسل الذنوب والاستمتاع بمغفرتها؟
أما الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي فقد حكم عليه إعلامه النوفمبري بأنه بلا ذنب زمن رئاسته وحكمه، وهو الإعلام نفسه، إبّان الثورة التونسية، الذي شيطن بن علي ونظامه ولعنه ولعن أصله وفصله. ذلك مع أننا لا نعرف شيئا، تقريبا، عن لجوئه للبيت الحرام، وهل أن ذنبه أو ذنوبه الشخصية والوطنية تكفّلت بها السعودية كعادتها في الكفالة والكفيل، وإجارة المستجير، أم ماذا في مثل هذه الهَلُمَّة الغامضة؟
وللحديث صلة.
جريدة الصحافة اليوم 28 سبتمبر 2016