د. احميده الـــنيــفــر: السياسة والحكم والمؤامرة الشجرة والغابة

1- حين سئلت زوجة الرئيس بورقيبة، ثمانينات القرن الماضي، عمّا كانت الحـــركة الإسلامـــية في تونس تواجهه من ملاحقات ومخاطر أجابت: «ماذا عساك تفعل لو انخرط أحد أبنائك فيما اعتقدَ أنه في سبيل الله؟!».
تتجاوز هذه الإجابة ما انساقت فيه عموم النخب العربية الحاكمة والمثقفة من الإقصاء والقمع لمخالفيهم المدافعين عن قيم ومرجعية يعتبرها الحكّام حكرا عليهم لدعم شرعيّتهم. لكن الإجابة تَقْصُر عن إدراك ما لظاهرة «الإسلام الحركي الاحتجاجي» من صلة بالإشكال السياسيّ لذلك اعتبرتها اندفاعَ شباب وحماسة إيمان.
كيف نفسّر هذا القصور؟ هو فكر لا صلة لديه لمفهوم «السياسة» بما هو موضوعي ومعقول، فلا غرابة إن لم يَلْتفت للظاهرات المجتمعية والثقافية الكبرى التي عبّر عنها الإسلاميون وغيرهم ولم يَعتبرها توجّهات جادّة.
2- مؤدى هذا أن «السياسة» تغادر، في السياق «ما قبل السياسي» خاصة، حقول المعيش والمعقول لتنقلب إلى امتياز ينفرد به خاصةُ الخاصة بعد أن انقطعت بها السبل عمّا يحيط بها فلا تُلقي بالاً لما يعتمل خارج دوائرها ومصالحها الذاتية. عندها تفتقد السياسة قيمتَها المضمونية وطبيعتها المنفتحة الداعمة للحرية والمراهِنة على الذكاء الفردي والمرجع المجتمعي.
وهو قصور يعبّر بجلاء عن انفـــصام الـــدوائر السيــــاسـيـــة عن دوائـر الفــكر المتخـصصة بما يدفـع للقول بفـراغ الســـياســـة أو موتها لِما انتهت إليه في المستوى المفهومي والتصوري والعمـلي من انزياح هائل. لقد تماهت «السياســة» مع «الحُكــــم» الذي ســــرُّه في أن يكون ســريّاً لا يـرقى إلى فهمه وصنعـه عمومُ الناس، والـذي لا يقوى على التعامل مع التناقضات التي يفرزها الواقع المجتمعي بقدراته وتعدده. وسّع الانزياح من دلالة «الحُكم» وهو أخصُّ من السياسة لأنه أحد شُعبها وميدان من ميادينها فصار، وهو الجزئي، معادلا ومحتويا لمفهوم السياسة الكلّي رغم أنّه أَحدُ مقتضياتها. بذلك يمكن القول إن الغابة انزوت بتعاظم الشجرة.
3- لا عجب عندئذ ألا يحرص السياسي- الحاكم على تعليل فعله وإبانة دوافعه وأهدافه. إنه لا ينصت إلى «عامّته» ولا يشركهم في القرار لأن «الحكم» شأنٌ خاصّ ولأن «السياسة» كـ«الحكم»، مهنةُ «أقليّات».
يساعدنا التأصيل الإيتيمولوجي على إضاءة هذا الجانب المركَّب إذ أن المعاجم اللغوية العامة تجعل مفهوم «السياسة» إشكاليا يراوح بين ثلاثة اعتبارات:
امتلاك الأمر(سوّسه القومُ: جعلوه يقودهم)
القيام على الشيء بما يُصلحه
التيسير ( سوّس فلان لآخر أمرا زيّنه له ليجعلَه مقبولا لديه).
يتحدد هذا الطابع الإشكالي للسياسة من خلال ما تتناوله كتب السياسة الشرعية التي تكاد تتفق على أنها القوانين الموضوعة «لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال» وأنها لرعاية:«الرعية بما يصلحها لُطفاً وعُنفاً».
على هذا تقترن «السياسة» بالتوتر القائم بين تفوّق السائس وسيادته من جهة وطلب المصلحة للرعية من جهة أخرى بما يجعل حقل السياسة قائما على توازن بالغ الدقّة غير مأمون العاقبة لكونه يسعى لربط الخبرة بالترويض، هو كالقضاء الذي يستدعي توفُّرَ عناصر صعبة المنـال تجـعل «قاضــيين في النار وقاضٍ في الجنة».
4- تنكشف هذه المعضلة القديمة من النصوص المرجعية التي عالجها المـؤرخ التونسـي أحمد عبد الســـلام في «دراســـات في مصطلح السياسة عند العرب»1 . تزداد المعضلة تعقيدا بتسارع التاريخ الحديث والمعاصر وخاصة في العقود الثلاثة الأخيرة. مع هذا الاتساع يتضح أن ثنائية السياسة-الحكم تفسر جانبا من تعثر التقدم العربي لشدة ارتباطها بأحد مشاغل الفكر السياسي بما آلت إليه من تركيب نوعي بين قدرة المجتمع وسلطة الدولة وحرية الفرد.
يتفاقم الأمر في السياق المُعولم بتدخّل العناصر الاقتصادية العالمية والجيوســتراتيجية وما تنتجه دوائر الفـكر والســياسـية في الغرب في مقاربتهــا للأحداث وتحليـــها قــصد التـحكّم في اتجاهاتها المستقبلية. من خصوصية هذا الموقع القَلِق والشديد التعقيد يتولد الإقبال على مقولة «المؤامرة».
تعتمد «نظرية المؤامرة» في شرحها للأحداث السياسية المحلية والعالمية على تشكيك مُمَنْهَج فيما يُقدَّمُ من تفسير «رسمي» مُدَّعِيّةً معرفةَ حقيقة ما يقع إخفاؤُه من الهيمنة المُنظَّمَة لمن خططوا وأداروا تلك الأحداث ووجهوها لأغراض ليست شرعية.
5- أساس «النظرية» هي اعتقادُها في سيطرة نخب عالمية تمتلك الأموال والصناعة ووسائل الإعلام والاتصال والمعلومات بما تضعه من خطط وتعليمات تفرضها على الحكومات والمؤسسات متسببة في الانقلابات والحروب والفتن دافعة الشعوب للالتفاف حول أهدافها المرسومة بسِرِيّة تامة. ما يسمح بالإقبال على مقولة «المؤامرة» تراجعُ الوعي السياسي بفقدان الشفافية والكفاءة والمشاركة والمساءلة وسيادة القانون ومكافحة الفساد مما يزيد من التضييق على المجال السياسي ليصبح نسقا مغلقا للحكم منحسرا في مجال الإدارة أولويتُه الاستقرار والانفراد بالحضور.
ما الخلل في «نظرية المؤامرة»؟ خللها أنها تُقطِّعُ وتُبسِّط أوضاعا بالغة التعقيد جاعلة مثلا من الثورة في تونس وهما ودسيسة أنجزتها دوائر استخباراتية ونفذها عملاء ونشطاء لمصالح أجنبية. اعتداءات 11سبتمبر 2001 كذلك تعتبرها مكيدة كبرى وفّرت للإدارة الأمريكية مسوغات تحقيق سياساتها العدوانية التوسعية.
6- «النظرية» تُبَسّط وتخلط بين الجزئي والكلي، بين الشجرة وبين الغابة التي تضمحل وراءها. لا يعني هذا الاستهانةَ بالمؤامـرة فجانب من عناصـرها موجــودة فعلا إنما الخَطَـلُ في الاقتصار عليها وتضخيمها بما يفضي إلى نتائج خاطئة وأحكام غير صائبة. معنى ذلك أن العلاقات الدولية لا تخلو من توفير المعلومات والمعطيات المستفيضة للدول والمجتمعات والأفراد. حالة الأمريكي «سنودن» وتسريبه لبرنامج التجسس «بريزم» سنة 2013 أفضل دليل على ذلك.
لكن الدول الممارسة حقا للسياسة لها، إضافة إلى المعلومات والعلاقات والخطط والتوجّهات، عناصرُ الفاعلية الحضارية الرئيسية. لديها أولا معارفُ علمية متطورة ومؤسسات بحث وتفكير واستقصاء واقتراح تتيح تحليل وتمثّل الواقع الاجتماعي والمالي والمؤسساتي والثقافي لأي دولة أو مجتمع أو جماعة بما يمكّن من تقدير الرهانات الممكنة والأقرب إلى تحقيق مصالحها الخاصة. لديها ثانيا وعيٌ بمشروعها ونمط حياتها المتميز اللذين أنجبتهما وما يتطلبانه من مساءلة ومراجعة وتصحيح. ولديها ثالثا منهج تفسيري يقارب الأحداث ويفهمها ضمن رؤية للعالم وللحراك التاريخي العام وضمن الاحتمالات والمآلات المختلفة المتولدة عنه، وهذه عناصر مُهمَلَةٌ في نظرية المؤامرة.
7- لمزيد الإضاءة يقدّم الضابط الفرنسي «لوي رين»2 شهادة دالّة على ثلاثية المؤامرة-الحكم-السياسة. لقد كُلِّف، مطلعَ القرن التاسع عشر، وهو خرّيج الأكاديمية العسكرية بـ«سان سير» ونائب رئيس الجمعية التاريخية الجزائرية، بتقديم تقرير ضافٍ عن الوضع في الجزائر تمهيدا للاستيلاء عليها. إذا كان الاطـلاع على التقـرير الذي صار كتابا ضخـما منشـورا يفيـد في فهم حياة مسلمي الجزائر بدقائقها ومفاصلها وديناميكيتها في تلك الفترة، فأهميته تتجاوز الجانب المعلوماتي في دقته وشموله وفطنته لأنه استحضر خاصة في المقدمة والخاتمة عناصر الفاعلية الحضارية الرئيسية التي يطالب سلطَ بلاده باستحضارها لتحقيق الأغراض السياسية التوسعية بنجاح. ذلك نجده في المقدمة عند الحديث عن الجهود «التمدينية» التي تبذلها «القوى الغربية الأوروبية لإدراج الشرق القديم في سياق الحضارة الحديثة».
في الخاتمة وبعد إحصاء عدد الجزائريين وزعمائهم وقبائلهم وعقائدهم وخصائصهم الشخصية والجماعية وتنوّع زواياهم وطرقهم الصوفية وخصوصياتها وأورادها ومواسمها ووسائل اتصالها حدّد المرتكزات السياسية التي «تليق بفرنسا» لتغيير حياة كامل المجتمع الجزائري. المطلوبُ لبناء هذه الحياة الجديدة التي «تقضي تدريجيا على الإخوان والمرابطين» إنشاءُ شبكة سكة حديدية للتواصل والتعايش الجديدين ومعها شبكة مدارس تغطي كامل البلاد…
يضيف «رين» أن ما عدا هذين السبيلين، من خطب وإدارة وقوانين وأسلحة، لن يجدي في تغيير حياة المجتمع.
هذا كلام «قديم» لمن أدرك أن المؤامرة وسيلة من وسائل العمل السياسي لكنها عديمة الأثر فيمن كانت السياسة عنده وعيا وتعبيرا عن الإرادة الحرة للمجتمع وللأفراد نتيجة اكتساب عناصر الفعل الحضاري إنشاءً وتنميةً.