في الذكرى الأولى لوفاته : مختار اليحياوي القاضي الذي تمرد على أحكامهم المنزّلة

حين كتبت رسالتك الشهيرة في جويلية 2001 كنت بلا شك تؤمن راسخا أن القضاء يقع في قلب المعركة ضد الاستبداد فقلت ما يجب قوله بشجاعة لا نظير لها في تلك الأوقات الصعبة رغم أنك كنت تعلم علم اليقين إنك تتجاوز كل الخطوط الحمر وأن المعركة هنا ليست قضائية فحسب بل حقوقية وسياسية وحضارية وإنسانية تخوضها ضد النظام رغم أن الرسالة مكتوبة إلى رأس هذا النظام باعتباره رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذي لم يكن له من العلو و القضاء إلا الاسم والروب وضد القضاة الذين وجدت نفسك تجلس معهم على كرسي القضاء وفي فضاء حوله الطاغية وكل الطغاة قبله إلى مفسدة للضمير والأخلاق بل إلى مؤسسة خانعة تأتمر بأوامر السلطة حتى أصبحت مع الوقت كارثة على البلاد والعباد فقد هتكت الشرف وضيعت الأرزاق واستباحت الدماء. رفضت أن تقايض مصيرك بالصمت. رفضت هذه القسمة فكنت شبه استثناء على المذلة والاحكام المنزلة كما قلت في رسالتك. كنت قاضيا ولكنك كنت مناضلا حقوقيا أيضا. من اجل قيم إنسانية أمنت بها يلعب فيها القانون دورا حاسما ومصيريا. أمنت بالتغيير وأنت الحقوقي كما آمن به أولئك الذين انخرطوا في مبادئه من اجل دولة الحق في بلد جرده الطاغية من كل مؤسساته وحقوقه وحوله إلى صحراء قاحلة.

لم تسيّج بعد عزلك موقفك كما كان يفعل الكثيرون بتسويات مع النظام وأنصاف مواقف ولم تقبل التخلي عن ضميرك واستقلالك الذاتي بغية أن يقلع المجرمون عن ملاحقتك رغم الوساطات التي حاولوها معك. كنت تعرف أن التهديد بالعنف يحاصرك ويضيق عليك الخناق فقد بلغتك أصواته البغيضة مرارا وتكرارا. كنت تعرف أيضا أنك لا تستطيع التكلم دون مجازفة بحياتك. ولكنك اخترت عن قناعة وعقل ودراية إن تسير في الطريق الصعب حتى يتحطم هيكل السيطرة والإكراه. شاركت في إضراب الجوع الشهير مع ثلة من المناضلين في 2005. لم يكن الزمن وقتها زمن التخندق الحزبي فاجتمع الإسلاميون واليساريون في معركة واحدة. كنت أنت ونجيب الشابي وحمة الهمامي وسمير ديلو ولطفي الحاجي وعياشي الهمامي ومحمد النوري و عبد الرؤوف العيادي في معركة واحدة قوامها الجسم النحيل الذي تحول إلى سلاح في وجه الجبروت. هناك عرفتك وقد جئت مع ثلة من النقابيين الجامعيين لزيارة المضربين. لم يكن لي بك سابق معرفة غير قراءتي لرسالتك وعلمي بمعاناتك. حدثتك وقتها عن جمعية القضاة وقد وقع الانقلاب عليها وافتكاك مقرها في نفس السنة وتنصيب عصابة من الانقلابيين مكان المكتب المنتخب الشرعي. قدمت لك نفسي باعتبار الصلة العائلية التي تربطني بقاضية من الشرعيين. أذكر أنك قلت لي يومها »بلغ تحياتي إلى الرئيسة وإلى القضاة الشرفاء، أريدك فقط أن تحمل إليهم رسالتي المتواضعة هذه، قل لهم أن وضعهم أفضل من وضعي. لقد خضت المعركة وحدي فسهل على النظام التخلص مني وعزلي من القضاء أما هم فمجموعة من خيرة القضاة وهم يمثلون هيكلا شرعيا منتخبا وليس من السهل على النظام رغم سطوته أن يتخلص منهم دفعة واحدة خاصة وقد فسدت صورته أمام الرأي العام الوطني والدولي، أريدك أيضا ان تبلغهم نصيحتي لهم ألا يتراجعوا رغم أني اعرف أن المعركة صعبة وقاسية خاصة على النساء وهن أربع، إن الهزيمة لا تأتي إلا من الداخل». توطدت العلاقة بعد ذلك بيننا. كنت أحيانا أمر بنهج الدنمارك حيث تقطن لأطلب منك أن نشرب قهوة.

وكنت أيضا تجيئنا إلى المنزل مرة بعد أخرى ومعك وفد من الأجانب من نشطاء حقوق الإنسان… جاؤوا لاستطلاع أمر القضاء والقضاة ومؤازرة الشرعيين. فكنت تستغل الفرصة لتجمع الهيئة أو بعضا من أعضائها ليسمعوا صوتهم إلى المنظمات الدولية وقد قسا الحصار حولهم وطال. كنت عند قدومك في الليل عادة تطلب مني أن أتثبت اذا كان هناك عسس قرب المنزل لانك تعلم أنك مراقب على الدوام ومتبوع في كل تحركاتك. لم تكن تخشى على نفسك فهم يعرفونك وأنت تعرفهم ولكنك كنت تخشىى على الضيوف وعلى من في الدار من زيارتك مصحوبا بمناضلين من تونس ومن الخارج ومعهم محامون تونسيون بارزون سيصبح واحدا منهم بعد الثروة عميدا للمحامين ثم وزيرا وقد كان في مقدمة المدافعين عن الجمعية.

ظللنا نلتقي بعدها لماما. شعرت عاما أو عامين قبل الثورة أن العزلة بدأت تثقل عليك وتخنقك. فقد سلبوك كل شيء: رزقك وحريتك وفرضوا عليك سجنا كبيرا ومنعوك من مغادرة البلاد لحضور ندوة أو المشاركة في ملتقى مثلما فعلوا ذلك مع أعضاء الهيئة الشرعية ولكنك كنت تطبق نفس نصيحتك التي قلتها لي للقضاة فلم تستسلم ولم تنحن بل ظللت تكتب باستمرار وتقاوم وتصرخ في وجوه الطاغية وأعوانه من المرتزقة بأعلى صوتك. كانت »تونس نيوز» وقتها مثل كل المناضلين منبرك المفضل. لم تعد تخوض في أمر القضاء كثيرا في كتاباتك إذ أدركت أن المعركة أكبر وأن الفساد منتشر في كل المكان وان الجرح غائر.

لقد عجل رحيلك المفاجئ ببعض ما خبأت من ذكريات منها ما هو في عمق وجداني ومنها ما جمعته في أوراقي ومذكراتي وتركته لوقت الحاجة وإلى زمن لاحق. عجلت انت حين نفخت فيها من روحك بخروج النزر القليل منها إلى العلن. روحك التي ستظل تعيش بين القضاة وإن نسيك أغلبهم وتحاشوا الاختلاط بك حين كان الخوف يسكن الأفئدة وينخر القلوب وبين كل مناضلي حقوق الإنسان ممن عرفوك واكبروا فيك صمودك على مدى عشر سنوات كدت تتحول فيها إلى شبح لتعبك وهزالك، فلم يكن لك من أنيس دائم غير السيجارة التي كنت تحرقها وتحرقك. نفخت في أوراقي من روحك التي ستظل تعيش بيننا أطول بكثير من حياتك فمن كان مثلك لا يأخذ منه الموت حين رحيله الأبدي غير الجسد الفاني.

بقلم عبد السلام ككلي.