محكمة تونس لن تغادر مقرها وشبهة الفساد من التلميح إلى التصريح

أكدت وزارة العدل في بيان صدر عنها بتاريخ 20-09-2016 تراجعها عن نقل المحكمة الابتدائية بتونس من مقرّها الأصليّ بباب بنات إلى جهة حي الخضراء وأنها ستتولى عوضا عن ذلك مباشرة أعمال صيانة عاجلة لمقر المحكمة الابتدائية على أن تتولى لاحقا بناء مقرّ جديد لها بشارع 09 أفريل بالعاصمة تونس[1]. كشفت وزارة العدل في بيانها عن قرارها فسخ عقد الكراء الذي يربطها مع المنظمة النقابية العمالية، الإتحاد العام التونسي للشغل ويتعلق بمحله التي كانت الأشغال تتم حثيثة فيه لنقل المحكمة الابتدائية بتونس إليه.
في ذات التاريخ، صدر بيان عن المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل خصص للرد على من وصفوا “بالأصوات الفردية وبعض المحامين” الذين قادتهم “مصالحهم الشخصية والمواقف السياسية عند بعضهم ضد الاتحاد” ليدعوا في الصحف وجود فساد إداري في معاملة كراء وزارة العدل للمقر الذي يمتلكه اتحاد الشغل كمقر للمحكمة الابتدائية بتونس[2]. تمسك اتحاد الشغل بكون عقد الكراء تم وفق طلب عروض استوفى الشروط الشكلية القانونية، وأن مقرّ الاتّحاد بحيّ الخضراء من البنايات ذات الجودة المعمارية في تصميمه والتزامه بالمواصفات وأن الاتّحاد تولّى علاوة على ذلك مباشرة أشغال تهيئة بمبلغ قدره مائتين وسبعين ألف دينار ليناسب المكرى احتياجات المتسوغ. وأكد الإتحاد في المقابل أن عقود كراء المحاكم الأخرى آلت لتسويغ محلات لا تصلح لتكون محاكم وبها شبهات فساد حقيقية لينتهي إلى الدعوة إلى فتح تحقيق فيها وفي كل كراءات مقرات المؤسسات العمومية، بما فيها الكراء المبرم معه.

الملابسات الظاهرة لمعاملة الكراء
خصص برنامج دعم إصلاح القضاء التونسي في قسطه الثاني الممول من دول الإتحاد الأوروبي[3] جزءاً من موازنته لصيانة مقر المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة. فتولت وزارة العدل في اطار هذا المشروع منتصف سنة 2015 نشر طلب عروض لكراء محل وقتي للمحكمة الابتدائية بتونس. حدد طلب العروض مواصفات المكرى مشترطا أن يكون المحل الذي يتم تسويغه بتونس العاصمة أو بالمركز العمراني الشمالي أو منطقة ضفاف البحيرة وأن تكون المساحة الجملية للمحل 15000 متر مربع وأن يكون له واجهة على طريق رئيسي وأخرى على طريق فرعي ويقبل التأمين[4]. أعلن بتاريخ 10-01-2016 الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل في تصريح إذاعي أن وزارة العدل تسوغت المقر الذي يمتلكه الاتحاد بجهة حي الخضراء بمعين كراء سنوي قدره مليوني دينار لمدة ثلاث سنوات ليكون مقرا مؤقتا للمحكمة الابتدائية بتونس[5].
بدا واضحا منذ البداية أن المكرى يقع خارج المناطق المحددة حصرا بطلب العروض. كما انه لا يستجيب لشرط أمني أساسي وضروري لتأمين المحكمة ويتمثل في أن يكون موقعه بشارع رئيسي وله واجهة أخرى بنهج فرعي. لم يثر هذا التعارض في بداية الأمر مؤاخذات علنية وكان ينتظر بالتالي أن يباشر العمل بالمقر الجديد بداية السنة القضائية 2016-2017 بعد أن قبل الجميع فيما يظهر بالمعاملة.
خصصت وزارة العدل موظفين وأعواناً خلال فترة العطلة القضائية الصيفية لنقل الملفات وتمّ فعلا نقل كامل مصالح السجل التجاري وجزء من خزينة المحكمة للمكرى. تداول الإعلام في هذه الأثناء أخبارا عن معارضة وكيل الجمهورية بتونس لقرار النقلة لاعتبارات تتعلق بعدم صلاحية المحل ليكون مقرا للمحكمة[6]. أعقب ذلك بأيام قليلة إعلان عميد محامي تونس عامر المحرزي معارضته قرار النقلة لكون المقر الجديد لا يصلح بتاتا ليكون مقرا للمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة[7].
لم يلتفت وزير العدل عمر منصور الذي تم في عهده إبرام عقد الكراء للأصوات المعارضة و أذن بالإسراع في أشغال التهيئة. بدا في مرحلة أولى خلفه غازي الجريبي من ذات موقفه بعد أن تعهد خلال زيارته يوم 02-09-2016 للمقر المكترى بتذليل كل الصعوبات التي تعترض الانتقال لمقر المحكمة الجديد[8]. وبعد أسبوعين فقط، اتخذ الجريبي قراراً يناقض هذا الموقف ويؤكد التناقضات التي حفت بمعاملة الكراء بما يستدعي السؤال عن آثارها.

فسخ عقد الكراء والتهم المتبادلة بالفساد، ثم ماذا؟
كشف بيان المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل عن رفض المنظمة النقابية قرار الفسخ خصوصا وأنها تكبدت مصاريف أشغال تهيئة تبلغ 270 ألف دينار. ويفترض منطقيا بالتالي أن ينازع الاتحاد في الفسخ ليطالب بتعويض عن الضرر الذي يتكبده من جرائه.
تنذر هذه الفرضية بتكبد وزارة العدل خسائر مالية جراء قرارها فسخ عقد الكراء، علاوة على تلك التي خسرتها فعليا وتتمثل في ما دفعته من معينات كراء وما صرفته من أموال في نقل الملفات وتلك التي ستصرفها في إرجاعها لمقر المحكمة بباب بنات.
يؤكد حساب الخسارة المالية حصول تبديد للمال العام. وهو أمر يفرض التصريح بوجود شبهة فساد في المعاملة قد تكون تمت عند إبرام عقد الكراء لغاية محاباة المنظمة النقابية أو عند فسخه في إطار خضوع لحسابات شخصية لمن عارضوا قرار النقلة.
يفترض نظريا وبالنظر لأهمية الشبهات القائمة ولحاجة الرأي العام للحقيقة بعيدا عن تبادل الاتهامات أن تتعهد هيئات الرقابة وهيئة مكافحة الفساد بالملف لتحديد الجهة الفاسدة ونوعية الفساد الذي ينسب إليها بما يؤول لتحقيق المحاسبة السياسية الضرورية في مثل هذه الصور علاوة على المحاسبة الجزائية متى ثبتت شروطها.
ما يفترض قد لا يتحقق، إذ يُخشى أن يؤول صراع النفوذ بين الأطراف المتداخلة إلى تسويات تصون لكل منها مصالحها على حساب مبادئ مكافحة الفساد.