بعد انضمام اليسار الوطني لحكومة الوحدة الوطنية: كل الفائدة للوطن ومزيدا من الفائدة لليسار

سبق وان دافعنا من خلال منبر يومية “المغرب” بتاريخ 29 جوان عن ضرورة اسهام اليسار في إنجاح مبادرة حكومة الوحدة الوطنية التي طرحها رئيس الجمهورية في الحوار التلفزي بتاريخ 02 جوان الماضي. وعدنا للموضوع ثانية يوم 07 أوت في نفس الصحيفة للتأكيد

على ضرورة تفادي الفجوة التي ظهرت يوم 04 أوت عندما ترددت بعض الأحزاب اليسارية الممضية على وثيقة قرطاج في تأكيد مشاركتها في حكومة السيد يوسف الشاهد ومن حسن حظ تونس أن تظافرت الجهود الرئاسية والحكومية والحزبية لتدارك الأمر وإعادة المياه الى مجاريها. واليوم وبعد مصادقة مجلس نواب الشعب على حكومة الوطنية والتي ضمت في صفوفها ممثلين عن أحزاب يسارية (المسار الديمقراطي والحزب الجمهوري) و بعض رموز اليسار النقابي وكذلك عديد الشخصيات الديمقراطية الحزبية و المستقلة كما شملت مشاورات تكوين الحكومة النائب المنجي الرحوي الذي قبل مبدأ مناقشة الموضوع مع السيد يوسف الشاهد، فإننا نعود من جديد عبر هذا المنبر لإبراز أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يعد انجازا تاريخيا في هذه المحطة من مسار مرحلة انتقالية لا تزال طويلة ومليئة بالأخطار الى جانب الصعوبات التي ترافق كل مرحلة انتقالية مرتبطة بقدرة الدولة على استعادة هيبتها في فرض القانون وتفعيل مؤسساتها وللتأكيد أيضا أن مشاركة اليسار الوطني والديمقراطي في هذه الحكومة ستكون مفيدة للوطن أولا ومفيدة أيضا لليسار.

حكومة الوحدة الوطنية محطة هامة في مسار انتقالي لا يزال طويلا
كما سبق أن اشرنا -في مقالات سابقة- ان التوصل الى المصادقة على الدستور الجديد في جانفي 2014 يعد -من وجهة نظر العلوم السياسية- من ابرز دلالات الانتقال من نظام سياسي الى آخر ولكن ومن الناحية العملية تكمن أهمية أي نص تأسيسي في مدى دخوله حيز التنفيذ وترجمته على أرض الواقع ليصبح من تقاليد الحياة السياسية في بلادنا. ورغم أهمية الحدث وما تبعه من اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية فان النتائج وان رجحت الكفة نسبيا لفائدة القوى الحداثية التونسية وأعطتها دفعا نحو إمكانية استعادة المبادرة التاريخية فان التدقيق في الأرقام وفي مدلولاتها بين استحالة تفرد الفريق الفائز لوحده بالحكم في هذه المرحلة التاريخية من مسار الانتقال. وفي هذا الاطار كانت المحاولة الأولى لضمان قدر من التشارك في السلطة عبر تكليف السيد الحبيب الصيد باعتباره شخصية غير متحزبة

لتكوين حكومة ضمت وزراء من الأحزاب التي قبلت بذلك بعد أن تعهدت بمساندتها في مجلس نواب الشعب. ورغم أهمية هذه التجربة التي تواصلت من شهر فيفري 2015 الى جوان 2016 حيث أنها فندت ادعاء التغول الذي تم التخويف به من طرف البعض خلال الحملة الانتخابية وبعدها كما أنها مكنت من تجسيد أولي لفكرة التشارك في التسيير بين قوى كانت متنافسة في الانتخابات. إلا أن هذه التجربة وعلى أهميتها وعلى الرغم مما تم تحقيقه في المجال الأمني ومواجهة الارهاب تبين أنه لم يكن بإمكانها أن تعمر طويلا نظرا لافتقارها لدعم سياسي جماعي ومتواصل. فالوزراء المتحزبون الذين ضمتهم حكومة السيد حبيب الصيد كانوا موزعين بين ولائهم لأحزابهم وبين مقتضيات التضامن الحكومي إضافة الى أن تلك الحكومة غلبت البحث على الدعم البرلماني ولم تول ما يكفي من أهمية لتوفير سند إضافي من طرف القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية ضعيفة التمثيل أو غير الممثلة في البرلمان اضافة الى العجز الذي اظهرته في ادارة الملفات الاجتماعية والتوتر في العلاقة مع المنظمة الشغيلة.

شكلت مبادرة حكومة الوحدة الوطنية التي أطلقها رئيس الجمهورية محاولة جديدة لدعم التمشي التشاركي البراغماتي الذي انطلق في جانفي 2015 ودعمته عبر التأكيد على ضرورة اسهام القوى الاجتماعية الأساسية (نقابات العمال والأعراف والفلاحين) إضافة لإعطاء

الفرصة لانخراط قوى سياسية أخرى لم يشملها التشريك من قبل خاصة وأن المبادرة قامت على توصيف يقر أن أوضاع البلاد –رغم النجاحات التي تحققت في المجالات الأمنية – فان النتائج لم تكن في المستوى المطلوب وان المؤشرات الأساسية أصبحت تنبئ بإمكانية مزيد تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. لذا بات ضروريا توسيع القاعدة السياسية للحكومة لمجابهة الأخطار المحدقة والتوجه نحو تجميع أوسع للقوى الراغبة في ذلك – دون أي إقصاء- استنادا لروافع برلمانية وأيضا اجتماعية وسياسية حول مجموعة من الأولويات الوطنية التي تم تحديدها جماعيا. وبعد فترة من الأخذ والرد قبلت تسعة أحزاب وثلاث منظمات اجتماعية كبرى الامضاء على مضمونها في موكب مشهود وتحولت هذه الوثيقة الى نص موحد لأولويات المرحلة و تم الاقرار على اعتباره الأساس المرجعي للعمل الحكومي في المرحلة القادمة والاتفاق على أن التقييم والمراقبة ستتمان بناء على ما حددته تلك الوثيقة من أولويات.

هل من تناقض بين أهداف اليسار وأولويات المرحلة المعلنة في ميثاق قرطاج؟
ان الأولويات التي تم على أساسها تكوين حكومة الوحدة الوطنية والتي تضمنتها وثيقة قرطاج ليست ابتكارا بل نجدها في البرامج المرحلية لأهم الأحزاب التونسية وهو تكثيف وتجميع لما يعرف بالحد الأدني تم تضمينها بصفة جماعية بين الأطراف المشاركة في حوارات قرطاج. لقد كان الرابط بين الأطراف الموقعة هو انجاز مهام عاجلة حتمها ما آلت اليه البلاد من أوضاع متردية وانتشار بوادر سلبية وقع تشخيصها من كل طرف على حدة. لذا مثل الامضاء على النص تجسيدا لإرادة جماعية ومثل نقلة نوعية ووعيا جماعيا بخطورة الأوضاع .

وهنا يكمن السؤال ماذا يمنع اليسار من الانضمام والتشارك في انجاز مجموعة من الأهداف المرحلية في اطار حكومة وحدة وطنية بعد أن كان يرددها كل طرف على حدة؟ هل يمكن للاختلافات الحزبية ان تقف حائلا امام انجاز مهمات وطنية ملحة ؟ ألم يناد البعض بضرورة عقد مؤتمر وطني للإنقاذ؟ هل كانوا يدعون لذلك وفي نيتهم اقصاء من يرون فيه مخالفا لأفكارهم رغم ما منحته اياه صناديق الاقتراع من أصوات ومن مقاعد في مجلس نواب الشعب؟ ألم يدع رباعي الحوار في سنة 2013 جميع الأحزاب –ولم يستثن في ذلك لا النهضة ولا غيرها- الى ضرورة الجلوس مع بعضها البعض للبحث عن المشترك حفاظا على وحدة الوطن؟ ألم يسفر ذلك الحوار بين أطراف مختلفة الى التوصل الى خارطة طريق حددت معالم المرحلة الموصلة الى ألانتخابات؟ ألم يتم بمقتضى ذلك الحوار

الاتفاق بين أطراف مختلفة –وكان ضمنها النهضة وغيرها من الأحزاب- على اصدار دستور أصبح -مرجعا للجميع –رغم تواصل اختلافاتها في عدة قضايا أخرى؟ ألم يقبل الجميع الاحتكام الى نفس القوانين المنظمة للعملية الانتخابية – باستثناء حزب التحرير الذي لا يعترف أصلا بالدستور وبعض المجموعات اليسارية التي لم تقبل بعد بالعمل العلني- باعتبارها أساسا للحياة الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة؟ ان حصول الاقتناع لدى كل طرف بمفرده على مقاومة الارهاب والتجند لرد الاعتداءات الخارجية على اراضينا و الوقوف أمام انتشار التجارة الموازية ومحاربة مظاهر الفساد والرشوة والتهرب الجبائي شكل عنصرا مساعدا للوعي بضرورة تجسيد تلك الرغبة بصفة تشاركية في شكل أولويات تكونت على أساسها حكومة الوحدة الوطنية يسعى الجميع من خلالها لإنقاذ البلاد من مخاطر الاحتلال الأجنبي (والخطر لا يزال قائما رغم استبسال جيشنا وأمننا وأهالينا في صدهم في بن قردان) والحرب الأهلية الداخلية (وتونس هي الاستثناء الوحيد في بلدان ما يسمى بالربيع العربي) والإفلاس المالي والوقوع الفعلي تحت الوصاية المالية الدولية التي يتصارع اليسار اليوناني- وهو في الحكم- من أجل التخفيف من تأثيراتها القاسية عبر تفاهمات ظرفية مع ترويكا البنوك الأوروبية والعالمية.

اليسار والمهمات الوطنية المشتركة
ان الحوارات التي تمت في الفترة التي سبقت منح الثقة لحكومة الوحدة أعادت من جديد التساؤل حول ضرورة تجديد الماهية الفكرية لليسار وضرورة البحث عن تموقعه في الخارطة السياسية المتحركة وعن دوره في الاسهام في حل القضايا الوطنية الملحة والمساهمة في درء الأخطار المحدقة. فهل أصبح المكان الأزلي لليسار هو «المعارضة المطلقة» والحكم على نوايا الآخرين وتسليط الأفكار المسبقة على الجميع –أصدقاء وحلفاء طبيعيين ومنافسين- في الوقت الذي باتت فيه بلادنا والكلام للنائب المنجي الرحوي «في حاجة لكل جهد من أبنائها حيث يقر كل مدرك وواع بالأوضاع أن تونس قي وضع يتطلب جهد الجميع؟» هل أصبح الرفض المطلق – بما يعني ذلك من مظاهر تجمد الخطاب وتكلسه- الرد الوحيد الممكن لمواجهة الأخطار المحدقة بوطننا؟ فكم من مرة سمعنا صولات البعض وتنبؤهم بفشل الحكومة قبل تكوينها وإعلانهم في غلظة وتكبر أنهم سيعارضون الحكومة التي هي بصدد التكوين والتي ستليها. وقد وصل بأحدهم أن بشرنا في الأسبوع الثاني لتكوينها “أن هذه الحكومة ستفشل عشر مرات أكثر من فشل الحكومة السابقة” . ألم يسمعوا بفترة المائة اليوم التي تمنح لكل حكومة ناشئة قبل اعلان ضربة البداية للنقد والمعارضة ؟

من المؤسف ملاحظة تمادي مظاهر النرجسية والطهرية السياسية حتى بات التمسك بالمبادئ يعني التعفف عن الاسهام مع الآخرين في انجاح هذه المرحلة التاريخية التي دخلتها بلادنا منذ جانفي 2011 بدعوى أن ذلك سيضطرهم للجلوس مع من اصدروا أحكاما بشأنهم قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة في شأنهم. لقد أصبح جزء من الرأي العام يتساءل : من أوكل البعض على مصائر البلاد والعباد حتى ينصبوا أنفسهم في دور”الكاهن الأكبر” أو “المفتي الأعظم” ويتجرؤون على فصل من”كنيستهم اليسارية” كل من خالفهم الرأي بإمضائه على وثيقة قرطاج ومشاركتة في حكومة الوحدة الوطنية؟ ألم يتم التخلي نهائيا عن جميع الاجتماعات والطقوس الملزمة منذ حل الأممية الشيوعية في سنة 1943؟ هل من فائدة منتظرة من “ التخندق في الطرف المقابل للحكومة ومهاجمة الأحزاب المشاركة فيها والتنبؤ بفشلها وانتظار ذلك طمعا في توظيف ذلك في الانتخابات القادمة ؟”. ان فشل الحكومة الحالية لن يسلم من نتائجه أحد وسيعني فشل تونس وانهيار عملية انتقالها نحو الديمقراطية والتحاقها -لا قدر الله- بقائمة الدول المنهارة وهي كثيرة في محيطنا. تلك الدول

التي ثار أبناؤها متأثرين بثورتنا وحلموا مثلنا بعالم أفضل لكن سرعان ما انفلتت بلدانهم من اياديهم و دخل أبناؤها في مرحلة من الاقتتال الدموي ولم يعد لهم من أمل سوى دعوة القوى الأجنبية لتمكينهم من هدنة مؤقتة لتفادي الفناء الأعظم. لا بد من ارتقاء قوى اليسار من وضع الاحتجاج والتعبير عن آلام المجتمع وأمراضه من جراء السياسات المخطئة المتبعة طيلة عقود الى مرحلة الاقتراحات والبدائل ولو على مراحل المهم أن يتم تجاوز التشهير والإسهام في نشر بصيص الأمل مهما كان الطريق طويلا. ولا بد من الوعي بخصائص المرحلة التي تمر بها تونس وطبيعة المهام الخاصة ويسعى الى انجازها في انجاز ما يتطلبه الوطن من ضرورة مساهمة الجميع في تحقيق المهمات الوطنية.
كل الفائدة لليسار في المشاركة في تركيز السلطة الوطنية الجديدة.

رغم الصعوبات الحالية –والتي لم تسلم منها أية تجربة في بلد من البلدان التي شهدت انهيارا لنظامها السياسي- لا بد من الاقرار أن تونس لا تزال تشكل حالة فريدة وعلى نخبها المثقفة وعلى قواها السياسية والاجتماعية يقع عبء البحث وإيجاد بصيص الأمل مهما بدا الطريق طويلا. تمر بلادنا بمرحلة تاريخية مفصلية تقتضي التشارك على أساس التقاء برنامجي وسياسي لضمان نجاح المرحلة الانتقالية وتجاوز تعقيداتها . هي مرحلة تاريخية تبنى على أنقاض نظام تهاوى لكن معالم النظام السياسي الجديد ستظل لفترة طويلة بصدد التشكل والتمثل على الأرض وسط صعوبات وتناقضات وهي تقتضي من الجميع التحرك لا من منطلق الموالاة أو المعارضة وإنما مما يفرضه الواقع المتغير من ضرورة المساهمة النشيطة في كل ما من شأنه المساعدة على القطع مع سلبيات الماضي الذي يسعى دائما للبروز وتكثيف الجهود من أجل تثبيت المسار الثوري بآماله وتعقيداته الذي دخلت فيه البلاد بداية من جانفي 2011. لا بد من وعي متجدد بأن الأخطار لا تزال قائمة داخليا وعلى المستوى الاقليمي وعلى حدودنا وعلينا البناء على ما تحقق من انجازات سياسية لا تزال

بدورها هشة وفي طور التجربة وحمايتها من كل ارتداد أو تراجع بتحصينها بمكاسب اجتماعية ونجاحات اقتصادية وفي مجالات دعم استقلالية القضاء وإصلاح المنظومة التعليمية والتكوينية . ان مثل هذه المهمات هي بالأساس مهمات وطنية تشترك في انجازها مرحليا قوى اجتماعية وطبقية وسياسية مختلفة ولكن يجمع بينها المصير المشترك ومصلحة الوطن الواحد. ومن هذا المنطلق كان ضروريا أن ينحاز اليسار الوطني لمبادرة حكومة الوحدة الوطنية وأن يعمل على انجاح أولوياتها المرحلية التي تضمنتها وثيقة قرطاج، رغم التباينات التي قد تطفو بين بعض مكوناتها المتعددة في مراحل قادمة فلكل حادث حديث. فمهمة انقاذ البلاد وضمان ديمومتها كدولة عصرية مستقلة وديمقراطية مهمة تهم الجميع بقطع النظر عن وزنهم الانتخابي الحالي فكما بينت السنوات الخمس الماضية يتحرك الجميع

في واقع متغير ومعقد. وخوفنا هو أن يواصل البعض في ممانعتهم ورفضهم اي مساهمة لليسار في السلطة متمسكين بضرورة تقويته قبل اي مشاركة لكن أي فائدة من هذا اليسار القوي في وطن يكون قد انهار أو«تصومل» والتحق بأوضاع اليمن وسوريا وليبيا لا قدر الله. فمساهمة اليسار التونسي ضرورة وطنية – للمحافظة على الوطن- الآن وليس غدا حتى نقوم بالواجب قبل فوات الأوان إذ لا معنى ليسار ولا لمستقبل بدون وطن.

بقلم :
حبيب القزدغلي
أستاذ جامعي