نور الدين بن تيشة…”الوجه” الفاشل لـ”قفا” مبادرة قائد السبسي

لم يسبق لمؤسسة رئاسة الجمهورية طيلة تاريخ تونس الحديث أن تنحرف بها “شطحات” مستشاريها إلى درجة أن تصبح صيدًا سهلاً للأخطاء القاتلة. بل إن الأمر يصبح أكثر سوريالية حين تتحوّل أخبار القصر نفسه إلى مادّة للتهكم في مقاهي الشارع السياسي والوضع برمته يتحوّل إلى ما يشبه الفضيحة التي ترتدي ربطة عنق.

وربطة العنق، التي تخنق القصر هذه الأيام، ليست إلاّ السيد نورالدين بن تيشة، الذي عيّن، في غفلة من الكلّ، مستشارا أولا مكلفا بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب من طرف رئيس الجمهورية، وهو الذي لم يعرف عنه أي كفاءة سياسية، ولم يتقلّد أي منصب سياسي بارز، بل والأغرب، أنه في لحظة انتخابية فارقة، طعن الباجي قائد السبسي في الظهر بتحوّله إلى “بروباغانديست” للسيد مصطفى كمال النابلي، المدعوم وقتها من رجل الأعمال القوي كمال اللطيف.

هنا لن نتساءل عن ملابسات هذا التعيين الذي فاجأ الأصدقاء قبل الخصوم (نقصد أصدقاء رئيس الجمهورية ومناصريه)، ولن نتساءل أيضا عن “الحظوة” التي أصبح يتمتع بها السيد بن تيشة، الفاقد لمؤهلات المستشار، عدا خبرته في بث الإشاعات وفبركة الفيديوهات (من المفارقات أن يعين مستشارا وهو المتهم في قضية فبركة فيديو الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي)، بل لن نتساءل عن انتقاله من مستشار مكلف بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب إلى مستشار سياسي، ولكننا سنكتفي بجرد موضوعي ومثبت لـ”شطحات هذا المستشار”، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى من يخرجها من أزماتها الخانقة.

الوجه “الفاشل”…لقفا “مبادرة متسرّعة”

ولنبدأ أوّلا، بمبادرة الباجي قائد السبسي، الذي لم يعد خافيا على أحد، أنّها مبادرة “تليفزيونية” بالأساس، حضرت فيها “المشهدية”، التي تحيلنا على الزمن البورقيبي وشعار “نرجو وين كنا”، وغاب عنها العمق.

غياب العمق لم يغب أبدًا عن القوى المؤثرة في الساحة السياسية، من أحزاب ومنظمات، إلى درجة مطالبة حسين العباسي، الأمين العام للمنظمة الشغيلة، بوثيقة يمكن مناقشة المبادرة على أساسها.

ولأنّ الوثيقة، أي أرضية المبادرة “التليفيزونية” نفسها، ليست سوى نوايا، الله وحده يعلم من يحرّكها، فإنّ الجماعة وجدت نفسها في سباق مع “الزمن”. ومن هنا يأتي دور بن تيشة الذي أثبت “فشلا” اتصاليا بتعمّده تسريب ما يعرف برسالة “رئيس الجمهورية” إلى صحيفة المغرب. محاولا ربّما سحب البساط من قيادات ندائية أخرى، على علاقة بإدارة “البرمجة” في القصر الذي سبقته إلى تسريب وثيقة تهم الاتفاق الحاصل بين تونس وصندوق النقد الدولي، أو الوثائق التي سربت إلى إذاعة “موزاييك” حول تشخيص الوضع الحكومي والهيكلة الجديدة لتونس.

طبعا لا أحد من “الجماعة” اعتبر هذه الفعلة من جنس الفضيحة، أي حين تصبح “وثائق” القصر، مادة للصحافة بتعلّة أنها “تسريبات” بل مرّ الأمر كأنه مسألة أقل من عادية لا تحتاج إلى تحقيق عاجل تطيح بكامل طاقم المستشارية.

طبعا، لا يوجد عاقل واحد يصدّق أن أعداء “الإعلام” يمكن ان يتحوّلوا إلى كائنات، بين عشية وضحاها، إلى جسور “طيبة” بين القصر ووسائل الإعلام (نعني هنا وسائل إعلامهم)، إذ أن الأمر لا يخرج عما يمكن تسميته بمحاولة تلهية الرأي العام عن تورط القصر نفسه في مبادرة لم يستعد لها جيدا.

هنا لعب السيد بن تيشة دورا محوريا كملتقط كرة رفض إعادة الكرة بطريقة سليمة إلى اللاعبين وإنما استثمرها لصالحه، اتصاليا بدرجة أولى، للظهور في مظهر “المستشار” الذي يفهم في لعبة “الإلهاء”، في الوقت الذي تناسى فيه أنّ الكرة نفسها كانت مثقوبة.

القنبلة التي تتجوّل بين الأحزاب

إنّ الجانب الميلودرامي في المسألة يصلُ إلى ذروة حبكته، حين يصبح نور الدين بن تيشة، رجل المستحيل في القصر، إلى قنبلة تزرع نفسها في كلّ حزب. فبعد استيلائه على صلاحيات المستشار العبقري، أضاف إلى صلاحياته مهمة استدعاء من يشاء إلى جلسات النقاش مع رئيس الجمهورية بكل “الذاتية” الممكنة.

هنا كاد الرجل أن يتسبب في أزمة داخل الحزب الجمهوري من خلال رفعه “الفيتو” في وجه عصام الشابي، واعتباره إياد الدهماني ممثلا شرعيا للحزب في النقاشات حول المبادرة. وهذا ما حرّك أزمة داخل الجمهوري كادت أن تعصف بالعلاقة بين الشابي والدهماني، لولا أن تلافى رئيس الجمهورية الأمر، بعد أن استقبل السيد أحمد نجيب الشابي (راجع مقالنا حول هذه النقطة).

الأمر لم يتوقف عن الحزب الجمهوري، بل تجاوزه إلى الجبهة الشعبية، حيث ساهم في توتير العلاقة بين حمة الهمامي، الزعيم التاريخي للجبهة، ورئيس الجمهورية، الذي بلغه أن تصريحات حمّة الهمامي مسته في شخصه. أزمة تم تجاوزها مرة أخرى عبر قيادات حزبية استقبلها رئيس الجمهورية، كزهير المغزاوي، أمين عام حركة الشعب، وغيره ممن أصروا على حضور الجبهة في المناقشات. هنا لا داعي للتساؤل حول من سرّب إلى إحدى الصحف خبر علاقة حمة الهمامي بفريد عباس، وهو ما فهم منه أنه محاولة للضغط على الهمامي لتليين مواقفه.

شطحات “المستشار” تتواصل أيضا من خلال استقدام شخصيات سياسية لا وزن لها في الساحة ولا في البرلمان (كمهدي بن غربية مثلا) واستبعاد قوى سياسية أخرى صاعدة ولها وزن كحراك تونس الإرادة وباقي الأحزاب التي خرجت من جبة “المؤتمر من أجل الجمهورية”. هنا المنطق العدائي أو الإقصائي لا يستقيم ورئيس الجمهورية يدعو إلى حكومة “وحدة وطنية” تهم كلّ الطيف السياسي.

وسنعرّج آخرا، وليس أخيرا، على رغبة بن تيشة في توريط الاتحاد التونسي للشغل في حكومة “الوحدة الوطنية”، من خلال اقتراح أسماء قيادات سابقة فيها كمرشحين مفترضين في موقع وزارية قادمة (راجع مقالنا حول هذه النقطة) وهو أمر يفهم في أحسن الأحوال على أنه محاولة لإيجاد سند نقابي للحكومة القادمة، وفي أسوئها، على أنه محاولة لضرب الطيف النقابي داخل حركة نداء تونس.

الباجي قائد السبسي…لماذا تركت المستشار “يرتع” وحيدًا؟

وحتى لو كانت مبادرة رئيس الجمهورية، مبادرة تليفزيونية في البدء، إلاّ أن احتفاء أغلب الطيف السياسي بها، حوّلها إلى فرصة لجمع شمل التونسيين حول مطلب “الإنقاذ”. إلاّ أن الرئيس، الذي عرفناه بشعاره “ما يحكم معايا حد”، فوّت فيها بالتقسيط إلى مستشاره السياسي الذي تميّز بأدائه الكارثي، وإلى ابنه الذي تميّز هو الآخر بإثارة حفيظة الرأي العام.

وإن كنا نتفهم “الحس الأبوي” في علاقة قائد السبسي الأب بقائد السبسي الابن، الذي حوّل البلد إلى مزرعة “عائلية” خاصة، فإننا لا نتفهمّ حقا كيف ترك الرئيس مستشاره يرتع في “المبادرة” وحيدًا، الأمر الذي ساهم عمليا في إطفاء جذوتها نهائيا بل وفي إعادة خلافات “الندائيين” إلى الواجهة في انتظار إحكام حركة “النهضة” قبضتها على كامل أوراق اللعبة.

ولكن تلك قصة أخرى…