رفيق عبد السلام : تجربة النهضة تختلف عن تجارب اخوان مصر واليمن والمغرب

اجرت صحيفة الشرق الاوسط حوارا مع وزير الخارجية السابق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام
وفيما يلي نص الحوار:

– من خلال المناخ الإيجابي الذي دار فيه الحوار التعددي في المؤتمر عند مناقشة التقرير الأدبي ومشاريع اللوائح في النهضة ثم التصويت عليها بنسب تجاوزت غالبا الـ70 في المائة أعتقد أن مؤتمرنا الوطني ناجح؛ لأنه صادق على قرارات تؤكد أولوية المطالب الملفات الاقتصادية والاجتماعية على المشاغل العقائدية والدينية والآيديولوجية على الرغم من تمسكنا بالمرجعيات العربية الإسلامية للمجتمع التونسي. كما سنمضي في التخصص والفصل بين الدعوي الاجتماعي والسياسي بما سوف يساهم في دعم قدرات المجتمع المدني التونسي وتوضيح دور الأحزاب والمساهمة في تقوية دور الدولة.
* هل لن يتسبب مثل هذا التوجه «البراغماتي» والواقعي في بروز خلافات داخلية وتناقضات قد تهدد وحدة الحركة يستفيد منها المتشددون والغلاة الذين انتقدوا سابقا تنازلكم عن التنصيص على الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد؟
– الحوار واختلاف وجهات النظر داخل الحركات السياسية التعددية والديمقراطية مفيد، ويمكن أن يساعد في البناء والتجديد والإقناع. لقد نجحت حركة النهضة فيما عجزت عن تحقيقه كثير من حركات «الإحياء الديني» و«الجماعات الدعوية» التي نشأت قبل «حركة الاتجاه الإسلامي» التونسية وبعدها وبينها جماعات الإخوان المسلمين في مصر والأردن والإصلاح في اليمن والتوحيد والإصلاح في المغرب. نحن منفتحون ونؤمن بالتخصص لكننا في الوقت نفسه حركة وطنية تونسية تحديثية ذات مرجعيات تونسية وعربية إسلامية. لقد استكملنا النجاحات السياسية الوطنية وبينها صياغة الدستور التونسي الجديد في يناير (كانون الثاني) 2014، ثم تنظيم الانتخابات التعددية النزيهة في 2014، واليوم نحن ماضون في إعطاء الأولوية للملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تهم شعبنا. ونعتقد أن الأداة أحزاب مدنية وطنية حداثية بينها حزبنا الذي يعتز بمرجعياته الإسلامية. حركتنا كانت الحزب الأول في المجلس الوطني الذي صاغ ذلك دستور 2014 الذي أكد مدنية الدولة واحترام حقوق الإنسان مثلما أكد مرجعيات يكاد يوجد حولها إجماع في تونس منذ 1959 من بينها ما جاء في الفصل الأول من الدستور عن النظام التونسي الجمهوري وعن كون «تونس دولة حرة مستقلة الإسلام دينها والعربية لغتها».
* يعتبر خصومكم في تونس وخارجها أن حركتكم مطالبة أولا بالفصل بين الديني والسياسي وليس بين «الدعوي» والحزبي؟ كما يتهكمون بأنكم تعيدون إنتاج تجارب مماثلة اعتمدتها حركات إسلامية في المغرب واليمن ومصر والأردن؟
– أولا تجربة حركة النهضة تختلف عن تجارب حركات إسلامية في بلدان شقيقة بينها المغرب ومصر والأردن واليمن؛ حيث كانت «الجماعة الإسلامية» – أو حركة الإخوان المسلمين – تؤسس حزبا سياسيا تابعا لها أو جمعيات خيرية ودعوية موالية. بالنسبة إلى تونس لم تعد هناك ثنائية بين حركة النهضة التي أصبحت حزبا سياسيا مدنيا وسطيا قانونيا وليس لنا بالتوازي «جماعة إسلامية» أو إخوانية. ليس لدينا في تونس تنظيم «إخوان» أو «إصلاح» مواز للحزب السياسي. في الوقت نفسه لن توجد في تونس «جمعيات خيرية» يسيرها قياديون ومسؤولون من حزب النهضة. الأمور واضحة بالنسبة إلينا مثلما يوضحها الدستور والقانون: الأحزاب للمشاركة في الانتخابات وفي الحكم وتسيير الدولة، والمجتمع المدني مفتوح على الجمعيات الخيرية والتوعوية والاجتماعية والثقافية الذي نسعى إلى أن يكون قويا ومؤثرا وناجعا.
لقد أكدت الكلمة الافتتاحية للمؤتمر ثم التقرير الأدبي الذي قدمه الأستاذ راشد الغنوشي، زعيم النهضة ومؤسس حركة الاتجاه الإسلامي قبل 35 عاما، عن تميزنا عن مدارس إسلامية كثيرة – وبينها تجارب الإخوان المسلمين -، لكننا نؤكد في الوقت نفسه أن «مدنية الدولة والحزب «لا تعني التخلي عن هوية الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا وهي هوية عربية إسلامية. وقد أقر بذلك رئيس الدولة ومؤسس حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي خلال خطابه الافتتاحي في مؤتمر الحركة الذي أكد فيه مجددا عن تمسكه بالشهادة التي سبق أن أدلى بها عام 2011 في قمة العمالقة الـ20 في فرنسا بحضور رؤساء الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان، التي تضمنت تنويها بالصبغة الديمقراطية لحركة النهضة التونسية وتوجهاتها.
وأريد أن أسجل هنا أن الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه في قيادة الحركة الوطنية التونسية والمغاربية سبق لهم أن تفاعلوا مع تجارب إصلاحية ووطنية في مصر وفلسطين وسوريا والمشرق العربي والإسلامي. كما سبق للوطنيين منذ مطلع القرن الماضي أن استضافوا رموز التيار الإصلاحي في المشرق، مثل العلامة محمد عبده الذي زار تونس مرتين بطلب من أعلام جامع الزيتونة ورواد الحركة الوطنية.
إذن فنحن لدينا خصوصياتنا التونسية والمغاربية ونحرص على مزيد ترشيد مسارنا السياسي، ونحترم تجارب بقية الدول والحركات الإصلاحية وخصوصياتها.
* تتابع مباشرة منذ أعوام ملف المفاوضات بين كل الأطراف السياسية الليبية وجهود الوساطة الأممية قبل مفاوضات الجزائر ثم الصخيرات المغربية وبعدها.. كيف تنظر إلى «المأزق» الذي وصل إليه مسار التسوية السياسية الأممية في ليبيا وحكومة فايز السراج؟
– نحن في تونس نتحاور مع كل الأطراف السياسية الليبية، ونشجعهم جميعا على تسوية النزاعات بينهم سياسيا وعلى استبعاد مقولات «الحسم العسكري». وفي هذا السياق نشجعهم جميعا على المضي في مسار التسوية الذي ترعاه الأمم المتحدة وتدعمه دول جوار ليبيا والدول المغاربية التي تسعى إلى تكريس نتائج توافقات استوجبت محادثات مارطونية مطولة في تونس والجزائر والمغرب وروما وجنيف ومدن ليبية وعربية كثيرة.
انتصار خيار السلم في ليبيا سوف يخدم أولا شعب ليبيا، ويؤدي إلى إنجاح مخططات القضاء على العنف والإرهاب. في الوقت نفسه سوف يؤدي إلى إنجاح مخططات محاربة «داعش» والميليشيات المسلحة التي تهدد أمن تونس ومستقبلها والشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وبعد أن اعترفت الأمم المتحدة ودول المنطقة بمجلس الرئاسة الليبي بزعامة فايز السراج، وتقدم خطوات نشر السلم في ليبيا تتأكد أكثر وجاهة موقفنا المعارض لإقحام ليبيا في حرب جديدة وفي مرحلة جديدة من الاقتتال والتدخل العسكري الأجنبي