المرزوقي والغنّوشي أيقونتا الثّورة التّونسيّة : من أفسد الودّ بينهما ؟

أثار غياب الرئيس الدكتور منصف المرزوقي عن حفل افتتاح مؤتمر النهضة الاخير موجة من التساؤلات والتعليقات لدى أنصار الطرفين.
بغض النظر عن الأسباب والدوافع الحقيقية لهذا الغياب وهل هو في عمقه غياب أم تغييب أريد التذكير والتأكيد على بعض ما أعتبره، من موقع القرب منهما بفضل تجارب النضال والتفاوض والحكم، وقائع وحقائق ربما تفسر للقارىء حالة البرود التي أصابت العلاقة بين الصديقين اللدودين (المرزوقي والغنوشي) الّذين أعتبرهما شخصيّا أيقونتا الثورة التونسية :
1- لم يكن المرزوقي ليصبح رئيساً لولا موافقة ودعم حركة النهضة ولكن لم تكن هذه الأخيرة لتقدر، في المقابل وفي تلك الظروف، على الإقناع بغيره رئيساً لما لاسمه من رمزية الارتباط الوثيق بالثورة
2- ربما كان حزب المرزوقي، أثناء التفاوض على الحكم، قاسيا وعنيدا يطلب مواقع أكبر من حجمه ولكن النهضة كانت مصابة بنشوة الاقتدار (والعبارة لابن المقفع) وترى نفسها صاحبة السيادة والجلالة التي تعطي الملك لمن تشاء وتنزعه عمن تشاء، وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء !
3- لم يكن المرزوقي عجينة طيعة بين يدي النهضة فشوش أحيانا على انسجام الحكم الائتلافي وفعاليته ولكنه كان، في المقابل، سيفا على أعدائها من الانقلابيين والاستئصاليين وضامنا لاستمرار المسار الديمقراطي،
4- لم يكن المرزوقي ليستمر في رئاسة الجمهورية لولا اشتراط النهضة تحييدها كشرط مسبق من شروط رعاة الحوار الوطني ولكنه كان الوحيد الضامن لنجاحه (الحوار) بإعلانه عدم تسليمها (الرئاسة) الا لرئيس منتخب ولم يعلق أشغالها كما فعل رئيس المجلس الوطني التأسيسي حينها،
5- لم يكن المرزوقي ليملأ مكانه (وهرةً وربطةً) في قصر السيادة ولا بقادر على إغراء وسائل الاعلام “التجمعية والوطدية” ولكن لم تكن هناك شخصية تونسية أخرى غيره قادرة على فرض الاحترام والإعجاب بتونس وتجربتها في المحافل الدولية وانتزاع ذلك الكم الهائل من التصفيق والتهليل في البرلمانات الفرنسية والأوروبية وعلى منبر الأمم المتحدة،
6- لم يستشر المرزوقي النهضة لما قرّر قطع العلاقات الديبلوماسية مع سوريا ولا في الاعفاءات والتعيينات على رأس المؤسسة العسكرية، وهي القرارات التي جنبت بلادنا وثورتنا محاولات الانقلاب، ولكنه لم يُستشر هو الآخر أيضاً في مسألة تسليم البغدادي المحمودي وفي قضايا أخرى كبيرة فكانت هذه بتلك وفق قاعدة المعاملة بالمثل في عالم السياسة والديبلوماسية !
7- لم تدافع حركة النهضة عن عرض المرزوقي الذي نالت منه إشاعات اعلام العار (الانحراف والعربدة) بل مال العديد من قياداتها وقواعدها الى تصديقها في حين سعى هو في المقابل الى الدفاع عنها في كل المحافل الاقليمية والدولية ورفع الحصار عنها وتسويقها كنموذج ديمقراطي لأحزاب الاسلام السياسي،
8- ربما كانت بعض بطانة الرئيس المرزوقي من الوجوه العدائيّة، المغرورة والمكروهة ولكن البعض في بطانة رئيس حركة النهضة لا تقل عدائيّة وتكبّراً واستفزازًا !!!
9- ربما تكون القاعدة الانتخابية العريضة للمرزوقي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة هي القاعدة النهضوية ولكن القيادة العليا أو ربما رأسها كانت قد أبرمت الصفقة ووقعت اتفاق التطبيع مع المنظومة القديمة (المسمى توافقا) فأفسدت بفعلتها تلك عرس ثاني انتخابات ديمقراطية تعرفها بلادنا وجعلتها محل شبهات وطعون،
10- لم يعاتب المرزوقي النهضة يوما على تغيير موقفها أو تحالفاتها فذلك شأنها الذي تبرره اكراهات السياسة ومخاوف الاستئصال ولكنه يعيب عليها غموض الموقف وتجنّب مكاشفة الشركاء وتجاهلهم وتحقيرهم،
المغزى عندي من سرد هذه (الوقائع والحقائق) هو حث الجميع على التواضع ونقد الذات والتخلي عن عقد التكبر والغرور والنرجسية، التي يبدو أنها طبع في أهل السياسة على اختلاف مللهم ونحلهم، وأن يذكر الشركاء دوما أن الأصل في المعاملة بينهم “ألا ينسوا الفضل بينهم” حتى عند الخصومة لأن الملك بيد الله يصرفه كيف ما شاء … وما يدري حزب ماذا يكسب غداً !
مازال طريق الثورة محفوفاً بالمخاطر، يتربّص به الدّحلانيون المتصهينون، ليلا ونهارا، داخل البلاد وخارجها، وليس بين رفاق النضال والتأسيس من خيار، إن هم أرادوا لتونس حقّاً خلاصا وتألقا، سوى خفض الجناح لبعضهم البعض فكلهم على ثغرة من ثغورها وما ينبغي أن تفسد إكراهات السّياسة الودّ بينهم.
والله أعلم،
.

سليم بن حميدان