علية العلاني: النهضة بمؤتمرها الـ10 صنعت اللاحدث.. والغنوشي أضاع فرصة تاريخية لن تتجدد بسهولة

تستعد حركة النهضة لعقد مؤتمرها الوطني العاشر أيام 20 – 21- 22 ماي الجاري في ظرفية محلية وإقليمية مشحونة.

وفي هذا الإطار، تلقت “الصباح نيوز” مقالا للخبير في الجماعات الإسلامية علية العلاني حول المؤتمر العاشر للنهضة .

وفي ما يلي نص المقال:

“المؤتمرات تُعقد عادة للتقييم والمراجعة والإصلاح. فماذا أنجزت الحركة في هذا المضمار؟

يبدو أن حركة النهضة عاجزة عن تأسيس مرجعية سياسية جديدة، أي لم تحدد الحركة إن كانت تنتمي سياسيا لليمين أو أقصى اليمين، أو اليسار، أو الاشتراكية الديمقراطية إلخ، هذه هي المرجعيات السياسية المعروفة. أما الحديث عن مرجعية إسلامية للحزب فلا معنى له، لأن خلط الإسلام كدين، وهو شأن مقدس، بالسياسة المتحركة والمتقلبة هو إعادة استبداد بغلاف ديني، والدين منهُ براء، وهو ما تسعى إليه حركة النهضة في مؤتمرها العاشر مع الأسف.

حزب بلا برنامج في الحكم

لقد بنت حركة النهضة برنامجها في الحكم، في مؤتمرها العاشر على مسألتين رئيسيتين: التوافق، وفصل الدعوي عن السياسي. فالتوافق الذي نراه اليوم هو في الحقيقة اقتسام للنفوذ ولمغانم السلطة وتقاسم للدولة العميقة أكثر منه توافق حول مشروع حكم مدني ديمقراطي يُخرج البلاد من أزمتها الأمنية والاقتصادية، ويوفر نمطا مجتمعيا يضع البلاد على سكة الحداثة الحقيقية. فمؤشرات النمو أبْعدُ من أن تحل المشاكل التي من أجلها قامت “الثورة” مثل الشغل والتنمية المحلية والجباية العادلة. أما فصل الدعوي عن السياسي فهو خطوة في الاتجاه الصحيح لكن لا معني له في ظل إصرار حركة النهضة على الخلط بين الديني والسياسي. فالحركة يبدو أنها لم تستخلص الدرس من أخطائها في الحكم ولم تفهم تطلعات التونسيين إلى الحكم الرشيد ورفضهم المتاجرة بالدين. فقد أكدت عملية سبر الآراء الأخيرة المنشورة بالصحف المحلية في 10 ماي 2016 (قامت بها مؤسسة سيغما كونساي التونسية وكونراد أديناور الألمانية ومرصد الأديان) أن 73 بالمائة من التونسيين يؤيدون فصل الدين عن السياسة، و72 بالمائة لا يعتبرون الشريعة المصدر الوحيد للتشريع، و75 بالمائة من التونسيين يرفضون تدخل الأئمة في الشأن السياسي، و95 بالمائة من التونسيين يعتبرون داعش أكبر خطر إرهابي يهدد تونس، ويعرف الجميع من المتسبب في توطين الإرهاب في تونس بهذا الشكل الخطير. وتجدر الإشارة إلى أن عدم خلط الدين بالسياسة ليس معاداة للدين بل إبعاد له عن التوظيف والمتاجرة. فلا أحد من التونسيين يطالب بتغيير الثوابت الدينية، وليست حركة النهضة هي المستأمنة على سلامة التوجه الديني بالبلاد، بل الدولة هي الساهرة على الشأن الديني والمطالبة بإبعاده عن كل توظيف حزبي أو سياسي.

حزب بلا أفق في الإصلاح الديني الشامل

إن المرجعية الإخوانية التي لا زالت قائمة لدى حركة النهضة – رغم نفي قيادييها- لن تمكّنها من خوض تجربة الإصلاح الديني الشامل لأنها مرجعية مليئة بالتناقضات بدءا بخلط الدين بالسياسة وانتهاء بنمط مجتمعي قائم على حداثة مغشوشة. ولحد الآن لم نقرأ إضافة جديدة في الفكر الديني، فالغنوشي في كتابه الأخير “الديمقراطية، نحو تأصيل لمفاهيم معاصرة” في صفحتي 16 و17 الصادر منذ بضعة أشهر أكد أنه لا سبيل لفصل الديني عن السياسي ويستدل على ذلك بأن الرسول عليه السلام كان يؤم المصلين ويقود الجيش ويسيّر باقي شؤون الدولةّ، وهو بذلك يخلط بين مهمته كرسول مبلّغ للدين وكقائد له وظائف في الحكم خاضعة للتغير تاريخيا في شكلها ومضمونها. وقد ذُهل التونسيين في نهاية 2011 وهم يستمعون لحمادي الجبالي، أول رئيس حكومة من حركة النهضة يتحدث عن الخلافة السادسة، وبالتالي فإن ما طرحه الغنوشي في كتابه الأخير، لا يختلف في الجوهر عن نمط الدولة الشمولية. إن الغنوشي، بتأكيده على المزج الكامل بين الدين والسياسة قد أغلق الباب في وجه أي إصلاح ديني حقيقي داخل حركته.

ونقول أخيرا أن حركة النهضة، بمؤتمرها العاشر، صنعت اللاحدث، وأضاع الغنوشي فرصة تاريخية للإصلاح لن تتجدد بسهولة لأنه الوحيد، داخل الحركة، القادر على هذا العمل. ونشير إلى أن حزب حركة النهضة، بتشبُّثه بهذه المبادئ المذكورة،سيهيئ الظروف الموضوعية للدخول في مرحلة الموت البطيء والتشظي مستقبلا لأنه أثبت أنه حزب شبه ديني بامتياز، لا يملك من الديمقراطية والمدنية سوى الاسم، وأنه في طريقه ليصبح جزءا من منظومة الاستبداد والفساد