وزيرة المرأة : الإعلام لعب دورا سلبيا في الحديث عن ظاهرة انتحار الاطفال..

شددت وزيرة المرأة والأســرة والطفولــــة سميرة مرعي في حوار مع “الق’دس العربي ” على وجود نضال كبير على المرأة انجازه في تونس لتحقيق مساواتها كاملة مشيرة إلى ان نجاح الديمقراطية في العالم العربي لا يكون إلا بوجود المرأة.
وتحدث الوزيرة عن أبرز الصعوبات التي تواجه قطاع الطفولة والمرأة والأسرة في تونس وعن النضال الذي تخوضه المرأة العربية للحصول على حقوقها ومواطنيتها كاملة.
وفي ماي لي نص الحوار :

كيف تقيمون موقع المرأة التونسية اليوم؟ وما النقائص القانونية والدستورية لإحلال المساواة ولنيل حقوقها كاملة؟

نحتاج بالفعل إلى تقييم دور المرأة ونحن نحتفل بمرور ستين سنة على صدور قانون الأحوال الشخصية والتي غيرت واقع المرأة في تونس. في الحقيقة نجد ان ما قمنا به على كل المستويات طوال هذه المدة بعيدا عما كنا نصبو إليه. كنا نتصور ان المرأة حققت بالفعل مساواتها ونالت حقوقها لكن المؤشرات على أرض الواقع تقول غير ذلك. فالمرأة التونسية تمتلك مؤشرا تنمويا قويا بسبب تمتعها بالكفاءة، كما ان 64 في المئة من متخرجي الجامعات هم نساء. ولكن نلحظ تمييزا على أرض الواقع يطال المرأة خاصة وأن أغلب المعطلين عن العمل في تونس من النساء. لا توجد نصوص تمييزية بحق المرأة لكن على أرض الواقع نجد ان هناك تمييزا صارخا. ففي الجهات الداخلية نجد ان 75 في المئة من النساء الحاصلات على شهادات علمية عاطلات عن العمل بسبب قلة الاستثمار في هذه الجهات وقلة انتداب النساء. السبب الثاني هو عزوف المرأة عن المبادرة الاقتصادية الخاصة لانها تحبذ ان تكون في القطاع العام ولا تقتحم الميدان الاقتصادي الخاص. أما بالنسبة للجانب التشريعي، فهناك نواقص عديدة ونحن بعيدون عن المساواة. لذلك هناك تشريعات تمييزية عديدة تستوجب المراجعة. وفي هذا السياق قدمنا مشروع قانون حول مقاومة العنف ضد المرأة ونأمل ان تتم المصادقة عليه قبل 13اوت أي يوم الاحتفال بستينية قانون الأحوال الشخصية التونسي، كما تجب مراجعة الفصول المتعلقة بالعنف ضد المرأة. ولكن في اعتقادي أيضا يجب تغيير السلوكيات وهذا يتم عبر التعليم والتربية وادراج مناهج تعليمية ضد العنف.

هنا يطرح سؤال هل التغيير يبدأ من خلال فرض القانون أم بتغيير الذهنية حول حقوق المرأة؟

المشكلة في غياب التشريعات، فالجانب الردعي غير موجود ولكن اؤكد لك ان الهدف ليس ان نضع قوانين ردعية بل هو تغيير السلوكيات الذي لا يكون فقط بالقانون بل بالتوعية والتربية والإعلام الذي يضطلع بدور مهم جدا. كما يجب تعميم ونشر ثقافة اللاعنف وثقافة المساواة لأن التمييز يبدأ في المنزل والمسؤولة عنه هي الأم نفسها. ومن جهة أخرى نطالب بوضع تمييز ايجابي بالنسبة للمرأة في الاقتصاد ومحو الأمية . ونحن في الوزارة وضعنا برامج المبادرة الاقتصادية الحرة للمرأة عبر احداث خمسين مؤسسة نسائية في كل ولاية وسيكون التمــويل من قبل وزارة المرأة دون فوائد.
كما وضعنا برامج لإقامة 100 مؤسسة صغرى للمرأة الحرفية خاصة في الجهات وهو مسار كامل. إذ نبدأ بالتكوين وفي آخر المطاف هناك التمويل ثم المرافقة لمدة ثلاث سنوات لانجاح المشروع. ولدينا حلفاء وشراكات مع مؤسسات اقتصادية ونحن سنكون الوسيط لكي يكون لدى كل امرأة وسيطا مرافقا لصاحب المؤسسة.
كيف تجدين مشاركة المرأة المشهد السياسي اليوم؟

في الحقيقة يجب ان نقارن بين وضع المرأة في المجال السياسي قبل 2011 وبعد 2011 . فالذي لاحظناه قبل سنة 2011 كان هناك عزوف ولم تكن المرأة مهتمة بالشأن السياسي. وبعد سنة 2011 ارتفعت نسبة إنخراط النساء في الأحزاب. لكن وجود المرأة في مراكز القرار بالنسبة للأحزاب لا يزال دون المستوى. انا متأكدة ان وجود المرأة في مواقع القرار يجب ان يكون عبر الأحزاب من خلال تعزيز وجودها في المكاتب السياسية لتصبح صاحبة القرار. مثلا في حزب «آفاق تونس» الذي أنتمي إليه توجد 3 نساء في المكتب السياسي (وزيرة ونائبتين في البرلمان). يعني حينما تعطي المرأة حقها في الحزب فهي ستصل حتما، فالكفاءة موجودة لكن المشكلة تكمن في كيفية اظهارها وتسويقها. ولا أنكر ان هناك نساء كفوءات لكن لم يجدن مكانهن في الهياكل الحزبية. وهذا يتطلب نضالا سياسيا يترافق مع النضال القانوني. والآن لدينا مخطط لتعميم التناصف في الجهات بين المرأة والرجل عموديا وافقيا وسيصبح من الالزامي على كل حزب ان يخصص 50 في المائة من القوائم الانتخابية للنساء.

منذ فترة أعلنت الحرب على ما يسمى بالروضات «القرآنية» فما المقصود بذلك إذ ان هناك عدم وضوح في المصطلحات؟ وهل المقصود الكتاتيب العادية التي تحفظ القرآن أم المدراس التي تدرس مناهج الفكر التكفيري؟

هناك جدل كبير حول هذا الموضوع وبدوري اتساءل حول ما المقصود بالروضات التي تقدم نفسها على انها «قرآنية» خاصة ونحن لدينا روضات وكتاتيب تعلم القرآن. إذ ان هذه الروضات التي تزعم أنها تعلم القرآن وأوجدت جدلا أيديولوجيا، تريد ان تهدم الطفولة ونحن نريد ان نتصدى لذلك حفاظا على الفكر المتفتح لدى ابنائنا. هذه الرياض تسوق للأولياء على انها رياض تعلم القرآن، لكن في الحقيقة مناهجها أبعد ما تكون عن ذلك. هي خطر على الطفل لانها لا تنمي قدراته، وكل فضاء لا يستجيب لكراس الشروط سنقفله فورا.

أين مكمن الداء في قطاع الطفولة والمرأة في ظل استفحال ظواهر خطيرة مثل التحرش، والعنف، والانتحار، وما الحل لظاهرة الاعتداء على الطفولة في الرياض وهي مخيفة جدا وانتشرت في تونس؟

لنبدأ بقطاع الطفولة الذي يواجه تحديات كبيرة. نتحدث هنا عن استغلال الأطفال من كل النواحي وهذه ظاهرة موجودة في السابق. بصفتي طبيبة أعرف ان هذه الحالات موجودة بشكل كبير ولكن لم تكن مكشوفة إعلاميا ولم تكن هناك إشعارات من قبل الأسر عنها. يعني ان الطفل يحمل هذا الاعتداء النفسي طوال حياته. وتبين تقارير عدة ان أكثر من 61 في المئة من حالات الاعتداء على الأطفال تكون من الوسط العائلي.

وماذا بشأن الاعتداء على الطفولة داخل الرياض؟

فيما يتعلق برياض الأطفال التي يقع فيها تعنيفهم فيتم إيقافها عن العمل وهذا معمول به. وهنا نعتز في تونس بوجود «مندوب حماية الطفولة» لأنه يعمل بصفة مباشرة مع القضاء وفي حالة الاعتداء يقع إشعار قاضي الأسرة ويتوقف العامل والمسؤول عن العنف أو المستبب في الاستغلال فورا.

في رأيكم ما أسباب تصاعد حالات انتحار الأطفال في تونس؟

هي ظاهرة خاصة جدا واعتقد ان الإعلام لعب دورا سلبيا في نشرها. فعندما تحدث حالة انتحار ويتحدث الإعلام عن مشاكل العائلة الاقتصادية والصحية والظروف التي عاش فيها الطفل المنتحر، حينها يصبح في نظر باقي الأطفال مثالا يقتدى لأنه فضح الوضع المعيشي الصعب. فمع حدوث كل حالة انتحار نجد حالات أخرى تتبعها. والخطورة تكمن في اكتئاب الأطفال الذي يمكن ان لا يلحظه أحد في الأسرة أو المدرسة.. ونحن بصدد وضع مختصين في علم النفس وسننتدب أكثر من عشرين اخصائيا نفسانيا واجتماعيا لحماية الطفولة.
باعتبارك تنتمين لحزب آفاق تونس كيف تجدين فرص بقاء الحزب في الائتلاف الحكومي؟ وهل سينسحب من الحكومة وسط الحديث عن كتل برلمانية جديدة بصدد التشكل وما تأثير ذلك على كتلتكم؟

تكوّن حزبنا بعد عام 2011 من أجل تونس ونحن مجموعة نريد انجاح المسار الانتقالي في تونس، ودخلنا الانتخابات في 2012 وخلال خمس سنوات أصبح لدينا وجود سياسي في الجهات وقاعدة شعبية. نؤمن أنه لا نستطيع بناء الديمقراطية دون توازن سياسي. ويفرض النظام البرلماني المعدل وجود توازن بين القوى السياسية. وبعد الانشقاق الذي حدث داخل حزب نداء تونس – ونأسف له- نعتقد ان القوى الديمقراطية التونسية الوسطية مثل النداء والتي خلقت التوازن السياسي مع النهضة، وحينما تتفكك، يقع اختلال في المعادلة.
وهذا موضوع أثار جدلا كبيرا ويجب توضيحه، ونحن كحزب آفاق تونس نعتقد ان هناك اختلالا بعد إنقسام النداء لذلك من مصلحة تونس تعزيز كتلة النداء. لسنا ضد النهضة ولكن مع التوازن السياسي وفي السياق نفسه سنظل كائتلاف حكومي، لان الرباعي مهم جدا لتمرير القوانين ولمصير تونس. وهذا فُهم على انه مؤامرة والنهضة تخوفت من ذلك. وأرى ان ليس هناك داع للتخوف بل يجب تعزيز الائتلاف بالتوازن السياسي خاصة ان أمامنا اصلاحات كبرى لا يجب ان يهيمن على قرارها أي طرف.

ما فرص بقاء الحكومة بعد تعالي الأصوات المطالبة بتغييرها؟

تونس نجحت في التوافق ويجب ان ندرك أيضا ان في المسار نفسه يجب ان يكون هناك تفاهم بين كل الأحزاب. من المهم جدا ان نتفق على الأهداف والمبادئ والإصلاحات الكبرى التي نريد ان نقوم بها وعلى النمط الاجتماعي الذي نريد ان نصل إليه وعلى كل ما يهم الحكومة. ونحن في «آفاق تونس» بينا موقفنا عندما حدث الإختلال.

انتخبت تونس مؤخرا في هيئة المساواة بين المرأة والرجل التابعة للأمم المتحدة ما أهمية هذا الإنجاز لتونس؟

تونس هي أول بلد عربي يترأس المجلس الإداري لهذه الهيئة الأممية وهو مفخرة لتونس واعتراف بنضالات المرأة ويشكل دعما مباشرا للمرأة التونسية والعربية أيضا. وهنا أريد ان أذكر ان الأمم المتحدة وضعت أهم استراتيجية لها وهي وجود المرأة في أهداف التنمية المستدامة للأم المتحدة في عام 2030.

إذن ما استراتيجيتكم من خلال الأمم المتحدة لتعزيز مكانة المرأة في العالم العربي وماهو تقييمكم لدورها في ظل الحروب التي تعيشها المنطقة؟

في كل النزاعات المسلحة والحروب المرأة تكون دائما الضحية واللاجئات سواء في الأردن أو لبنان وفلسطين يعشن ظروفا قاسية. هناك مأساة حقيقية ولذلك نحن في هيئة الأمم المتحدة للمرأة نعمل لتحسين ظروفها. وأعتقد ان وجود المرأة على رأس منظمة أممية تعنى بالمرأة مهم لكي تلعب دورا أكبر في سياسات الدولة وحفظ السلام. يجب ان تكون المرأة في الصف الأول، وهنا أشير إلى تجربة رواندا التي تعرف أكثر نسبة من النساء البرلمانيات. فهذا البلد عرف الحروب ورغم ذلك نجح في بلورة مكانة رفيعة للمرأة في مراكز القرار. لذلك في اعتقادي يجب على المرأة ان تلعب دورا كبيرا في السياسات الدولية والوطنية لحفظ السلام لانها دائما تريد العدالة الاجتماعية.
في الحقيقة هناك إرادة حتى في البلدان العربية لتحسين وضع المرأة لكن رغم ذلك ما زلنا بعيدين عن البلدان الافريقية وهذا يحتاج لنضال كبير.
فالتحديات كبيرة ومصيرنا واحد ويجب ان تكون المرأة موجودة لان قاطرة نجاح الديمقراطية في البلدان العربية لا تسير دونها.

كيف ترين موقع المرأة الفلسطينية اليوم ودورها ونضالها لدحر الاحتلال؟

القضية الفلسطينية هي قضية تونسية ونحن تربينا منذ صغرنا على حب فلسطين. ورؤية فلسطين محررة هو حلم يراودنا دائما. لقد أثر فينا العذاب الذي تعيشه الأم الفلسطينية والأطفال الفلسطينيون. وقد تعرفت على كفاءات نسائية فلسطينية عديدة ولاحظت الجراة والشجاعة التي تتمتع بها المرأة الفلسطينية والتي تنقص النساء في الدول الأخرى. وأنا ترأست لجنة حقوق المرأة في برلمان الاتحاد من أجل المتوسط وكان معي نائبات فلسطينيات على مستوى عال من الكفاءة. ويبقى حلمنا الأوحد هو تحرير فلسطين ويجب ان تعترف كل الدول بحق الدولة الفلسطينية وتحرير الأراضي المستعمرة