“التحالف الإسلامي”… نحو أرضيّة جديدة للتعاون المشترك

يس ضرباً من المبالغة القول إنّ التطوّرات الرّاهنة في المنطقة العربيّة أضحت تمثّل اليوم واحدة من أنجع العوامل في تقويض أفكارٍ وتصوّرات ٍ بنيت على اعتباراتٍ أيديولوجيّة صرفة، و في صياغة سلوكٍ سياسيٍّ جديد للدول، وحتى الأفراد، يبدو أكثر تماهيا مع السنن الطبيعيّة للفعل السياسيّ. ففي غمرة الأحداث المتسارعة، نكاد، نحن العرب، أن نغفل عن حقيقة أنّنا نعيش لحظةً مفصليّة، يتحتّم علينا استثمارها بقصد تمثّل شروط النهوض والقطع مع حالة تضافرت فيها عوامل شتّى، وتداخلت لتوليد واقع متخلّف، أضحى من فرط تجانس مكوّناته وتكاملها، يرتقي إلى صنف اليقينيّات التي لا تحتمل التغيير.
لا تدّعي هذه السطور أنها تقدّم تحليلا وافيا عن مجريات الأمور في الحالة العربيّة ومآلاتها المستقبليّة، بقدر ما تسعى إلى الإضاءة على عوامل متداخلة، وحتّى متضاربة، غدت في هذه المرحلة عصيّةً على التحديد، لكنّها تمثّل بالرُّغم من هذا مؤشّرات لانبعاث سياسي وثقافي. الانتكاسات المتلاحقة الّتي منيت بها التيارات السياسيّة المنكفئة على البعد الأيديولوجي أوجد فراغاً شكّل فرصة سانحة لتدشين نمط من التحالفات، لا يعتمد التوافق الأيديولوجي، بقدر ما يتطلّب الالتقاء على أرضيّة المصالح المشتركة، فكان بروز التحالف الإسلامي تعبيراً عن مراجعة أنماط العلاقات العربيّة السائدة أوّلاً، ورغبة في تجاوز نقائصها ثانياً. لا يمكن، الآن، الجزم بمدى تميّز هذا التوجّه عن سابقيه. لكن، يكفي أنّه، إلى الآن، نأى بنفسه عن الوقوع في متاهات النظر الفلسفي والرومانسية السياسيّة، ليرفع من احتمالات نجاحاته.

في الأسباب المباشرة: التهديدات الداخليّة والخارجيّة
لا أحد ينكر مدى التردّي الذي وصلت إليه الحالة العربيّة. من دون الانسياق في إلقاء اللّائمة على هذا الطرف أو ذاك، فإنّ غياب التنمية وانسداد واقع الحريّات كانت لهما تداعيات كبيرة وخطيرة.
داخليّا، تحوّلت بعض الحركات الاحتجاجية إلى الإرهاب وسيلة غير شرعية للإجابة عن مطالب شرعيّة في العدالة الاجتماعيّة والمشاركة السياسيّة. لكن، وبحكم طبيعتها التمدّديّة، وتجاهلها منطق السيادة الوطنيّة، تفرض الحركات الإرهابيّة مستوى متميّزاً من التنسيق بين الدول العربيّة والإسلاميّة. في هذا السياق، على الرغم من إيلاء جامعة الدول العربية هذا البعد الأهميّة القصوى، فإنّ تضارب مصالح أعضائها وتصادم توجّهاتهم الاستراتيجيّة أفقدها النجاعة المطلوبة في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، خلافاً للتجانس الحاصل داخل التحالف الإسلامي، والّذي سيثمر قطعاً تحسينا للأداء في مجال الوقاية والتصدّي للإرهاب.
بيد أنّ التعاون لمحاربة الإرهاب لا يمثّل، بالنظر إلى الإمكانيّات المُخصّصة واعتبار التوقيت، العامل الأهمّ في تشكيل التحالف الإسلامي، فعلى المستوى الخارجي، وبالإضافة إلى القوى العظمى (التقليديّة)، تشهد المنطقة تجاذباتٍ حادّة ناجمة عن بروز أطراف إقليميّة جديدة، تسعى إلى الاستفادة من حالة الترهّل العربي، بتفعيل استراتيجية توسّعيّة تطوّرت إلى حدٍّ جعلها تنزع رداء التقيّة الّذي طالما تستّرت به.
الإخفاقات المتتالية لمنطق التعاون العربي السائد، وإن كانت تمثّل المعطى المؤسِّس لتبرير الانخراط في مشروعٍ مغاير، لا تكفي لتكون شرارة الانطلاق الأولى لمشروع فاعل ودائم. بالإضافة إلى اعتبار المصلحة، فإنّ منطق التغيير يستوجب، في مرحلةٍ ما، حضور العامل الناجع الّذي يحسم قرار الإقدام على الفعل من عدمه.
من دون الخوض في تفاصيل نظريّة، لا يسعنا بحثها الآن، في وسعنا القول إنّ الرغبة في الترفيع من المكتسبات هي عمليّا أقلّ تحفيزاً للمبادرة من ضرورة التخفيف من الخسائر وتجنّب المكاره. ولا يخفى أنّ القوميّة العربيّة، إذ تعلّقت همّتها بمنازعة المغاير وإبراز تألّقها الحضاري، لم تكن لِتُحفّز حالةً عربيّةً متنافرةً نزّاعةً إلى تحويل أبسط المشاريع، فضلا عن الإنجازات المشتركة، إلى عوامل تفكّكٍ إضافيّة.
من هنا، نرى أنّ التعاون، بغية مواجهة خطرٍ محدقٍ، بات موضوعيّاً يشكّل المعادلة
“تحولت بعض الحركات الاحتجاجية إلى الإرهاب وسيلة غير شرعية للإجابة عن مطالب شرعيّة في العدالة الاجتماعيّة والمشاركة السياسيّة” الأمثل والأنجع، لتثبيت أسس التنسيق المشترك. في هذا السياق، يرتقي ”التهديد الإيراني”، عبر تجلياته المختلفة، إلى المحرّك الّذي سينتقل ”المشروع العربي”، بفضله من الكماليّات القابلة للإرجاء إلى الضرورات الفارضة للإجراء. لا يهمّ، هنا، إن كان الدور الإيراني في المنطقة خطراً حقيقيّاً أم لا، إذ يكفي، من منظور العمل السياسي، أنّه أضحى عامل استفزاز يبرّر، من جهة، تجميع الموارد العربيّة وتصويبها، لغاية واحدة، كما أنّه يضفي شرعيّة جماهيريّة على التنازلات بين أطراف التحالف الإسلامي، من جهة أخرى. ومن المفارقات أنّ الشعوب العربيّة، على الرغم من التحشيد الأيديولوجي لم تتفاعل مع التحدّي الغربي بالدرجة نفسها التي تفاعلت بها مع ”التهديد الإيراني”. والأسباب في ذلك كثيرة.
لا شكّ في أنّ الوجود الإيراني يمثّل خطراً أعظم على دول المنطقة من الحركات الإرهابيّة. فإذا كان قصارى ما تطمح إليه الأخيرة إرباك الدول المستهدفة، فإنّ إيران أفصحت فعلاً، لا قولاً، عن نيّتها استنساخ التجربة العراقيّة وتعميمها على معظم البلاد العربيّة، فكان أن عطّلت الدولة اللبنانيّة عن ممارسة سيادتها على كامل أراضيها، كما زوّدت الحوثيين في اليمن بالسلاح والعدّة للانقضاض على السلطة الشرعيّة، والقائمة تطول.
بلغت شعبيّة إيران أوجها لدى الشعوب العربيّة سنة 2006، إبّان الحرب الإسرائيليّة على لبنان تعبيراً عن امتنانها للإنجازات البطوليّة لحزب الله. في بداية الثورات العربيّة، كان الموقف الإيراني متماهياً مع شعارات الانتصار للمضطهدين والمظلومين. لذا، كانت مساندته الثورتين، التونسيّة والمصريّة، وحتّى اليمنيّة، منتظرة وطبيعيّة. حتّى ذلك الوقت، غالباً ما تتجنّب البلدان العربيّة المجاهرة بانتقادها إيران، خشية أن تثير استياء شعوبها المتعاطفة بشكل كبير مع الجمهوريّة الإسلاميّة، إلاّ أنّ تغيّر الموقف الإيراني رأساً على عقب، إزاء مطالب الحريّة والديمقراطيّة في سورية أدّى إلى تبديد رصيدها الثوري والإسلامي والجماهيري دفعة واحدة، وخسرت الكثير ممّا راكمته طوال ما يقارب الأربعين سنة. أن تفقد إيران وشركاؤها، في أقلّ من ثلاث سنوات، شرعيّة، كابدت عقوداً طويلة من أجل تحصيلها، يعتبر إهداراً لريعٍ رمزيٍّ لطالما استعملته إيران لإرباك دولٍ عربيّةٍ عديدة، وحتّى لتحصين نفسها من ردود أفعالها.
ونحن، إذ نسوق العامل الإيراني، نشدّد على أنّنا لا ندعو ألبتّة إلى التأصيل لحالةٍ سياسيّةٍ، تقوم على استعداء دولة وشعب يربطهما بالمنطقة تاريخ مشترك، بقدر ما نركّز على الحكمة المنطوية عن استثمار حالة السخط الجماهيري من الدّور الإيراني، لغرض استنهاض الهمم وتذليل عقبات التنسيق الجماعي.
إلى جانب هذه الأسباب المباشرة، يجب أن لا نغفل عن الأسباب غير المباشرة، والتّي ساهمت في التخلّي عن عقليّة سياسيّة بالية، واستبدالها بأخرى أكثر قدرة على تحسين الأداء السياسي، واكتساب خبرات جديدة في العمل الجماعي العربي والإسلامي.

في الأسباب غير المباشرة: تهافت الأيديولوجي وبروز السياسي
يمثّل تشكيل التحالف الإسلامي نقطة تحوّل، فهو يقلب المعادلة التقليديّة القائمة على إعطاء
“يبدو التحالف الإسلامي، بتجاوزه عقدة الاستعلاء الثقافي، مهيّأً لاستثمارٍ أمثل للتكامل بين أطرافه” التصوُّر الفكري -الأيديولوجي الأسبقيّة على الفعل السياسي، كما كان معهوداً في سالف مبادراتنا السياسيّة، تِلكمُ الّتي، وبقدر ما تفنّنت تدقيقاً في تفاصيل فكريَّة، أفرزت طرائق في العمل السياسي، أعجز ما تكون عن توفير الحدّ الأدنى من التوافق القابل للاستثمار على مستوى العلاقات الدوليّة والقضايا العربيّة.
لا نستطيع أن نتجاهل مدى الشلل الَّذِي أصيبت به الحالة العربيّة، نتيجة إيلاء البعد الأيديولوجي دور الرّيادة في عمليّة النهوض مقابل ازدراءٍ كاملٍ للعمليّة السّياسيّة، لكونها لا تعدو، في نظر بعضهم، أن تكون آليّة تنزيل تفتقد لروح التغيير الثّوري، متغافلين عن أنّ أعظم الإنجازات وأدومها هي الّتي تفرض نفسها بشكلٍ يكاد يكون عفويًّا على قاعدة مراعاة المصالح، من دون تكبّد كثير عناء في سبيل إثبات ضروراتها، أو الحكمة المنطوية عنها.
من الآثار السلبيّة للأيديولوجيات على الساحة العربيّة تكريس اللامبالاة لدى الشعوب، وتقليص شروط التوافق العربي، وقطع البلاد العربيّة عن امتدادها الجغرافي والثقافي الطبيعي:
زودت غلبة الخطاب الجماهيري لدى القوميّين العرب الطبقات الاجتماعيّة بشعاراتٍ ومقولات أسعفته في إرباك الواقع السياسي الداخلي للأقطار العربيّة، من دون أن تحدث ثغرات قمينة بإفراز طفرة باتجاه ترشيد العمليّة السيّاسيّة، أو تحسين الأداء الإداري، أو تحقيق إنجازات في مشروع الوحدة العربيّة، فالإخفاقات المدوّية للمشاريع الأيديولوجيّة دفعت بالشعوب العربيّة إلى العزوف عن الشأن العام، والصمم عن كل دعوات النهضة والتقدّم. في المقابل، نرى كيف أنّ الشعوب العربيّة تبدي، يوماً بعد يوم، قابليّة أكثر للتفاعل والتجاوب مع إنجازات تُعدّ وفق المنطق الثوريّ من اللّمم. في هذا السّياق، لا يمكن تجاهل الأثر الطَّيِّب الذي تركته التجربة التركيَّة في نفوس الجماهير العربيّة، والتي تعتبر نقلة نوعيّة، إذ أقنعت بشرعيّة التدرّج، كما أبطلت تجريم التنازلات السياسيّة، فاسحة بذلك مجالاً أكبر للمناورة والتحرّك.
من مفارقات جامعة الدول العربيّة أنّ مختلف قراراتها تستبطن، بشكلٍ ما، رؤية القوميّة العربيّة، فهي لا تعدو أن تكون تفاعلاً مع مفردات الأخيرة، تثبيتاً أو نفياً. فمن ناحية، بات جليّاً كيف أنّ الجامعة تحوّلت إلى حلبة صراع بين مشاريع قوميّة متنافية. ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ نزوع بعض الدول العربيّة فرض هيمنتها على شقيقاتها بتعلّة تحقيق الوحدة العربية أثار مخاوف عديدة، وحاد بالمشروع العربي إلى مزيد من التفكك. باتت جامعة الدول العربية لا تقوى، حتّى على استصدار أبسط القرارات لدعم القضايا المصيريّة للأمّة العربيّة. من منطلق جيو- سياسيّ بحت، فإنّ السبات الذّي تغطّ فيه الجامعة في ظلّ تزايد التحدّيات كان سيؤدّي إلى تذرّرٍ مريع للحالة العربيّة، قد تتطوّر إلى مناوشات سياسيّةٍ، وحتّى عسكريّة، نتيجة للكمّ الهائل من التناقضات المتراكمة منذ حقبة الاستقلال وتأسيس الدولة الوطنيّة إلى اليوم.

لا عجب، إذن، أن يخرج من ثنايا القوميّة العربيّة فعل منافٍ للوحدة العربيّة، ففي وقتٍ تعلن فيه القوميّة العربيّة سعيها إلى الوحدة، فإنّها عمليّا تؤجّج عوامل التنافر، فضلا عن تغذية دعوات انفصالية داخليّة شتّى. من هذا المنظور، تتكشّف لنا واحدة من أبرز مزايا التحالف الإسلامي، إذ قلّص من عوامل التفرقة واختزلها في الموقف من التدخّل الإيراني في اليمن وسورية والعراق و لبنان، والّذي أصبح حاليّا متناغما مع منطق الثورات العربيّة.
كان التأكيد على خصوصيّة الثقافة العربيّة عنصرا ثابتاً في جوهر الأحزاب القوميّة، ناضلت من أجله طويلاً من باب تكريس معاني الاعتزاز وتثبيت الانتماء الحضاري، قبل أن تؤول، من فرط استخداماتها في المزايدات السياسية، إلى إرادةٍ للجمود والتقوقع والاحتواء. يتجلّى هذا، أساساً، في الأسلوب الّذي تتعاطى به القوميّة العربية مع الأطراف الإسلاميّة غير العربيّة، إذ تفرض الاعتراف بالولاء الثقافي ”للعروبة”، وقبول الانضواء تحت لوائها، والانصهار في كينونتها. فلم يكن بسيطاً وسهلاً كسر هذه المقولات، وتكريس خيار الانفتاح كجزء من إعادة بناء تحالفاتٍ، تسهم في تحقيق مصالح كلّ الأطراف، مع مراعاة خصوصيّاتهم الثقافيّة.
يبدو التحالف الإسلامي، بتجاوزه عقدة الاستعلاء الثقافي، مهيّأً لاستثمارٍ أمثل للتكامل بين أطرافه. من غير المعقول تصوّر أيّ إمكانيّةٍ للتصالح مع نسق الثورات العربية والتصدّي للتحدّي الإيراني –الروسي، من دون مشاركة دول غير عربية، مثل باكستان أو تركيا أو السنغال وغيرها. ويسمح هذا التنسيق باستغلالٍ أنجع لاستراتيجية تقسيم الأدوار على المستويات الاقتصادية والسياسيّة والعسكريّة والعلمية، مانحا كل الأطراف فرصاً أكبر للارتقاء بمشروعها الثقافي الوطني، بالشكل الّذي يلبّي احتياجات شعوبها وتطلعاتها.
قد ينتاب بعضهم نوع من الإحباط إزاء هذه التطوّرات، لما يرونه فيها من غياب لأرضيّة فكريّةٍ تأصيليّة، لكن ما يعتبرونه نقيصة نعدّه ميزة.
يمثل التحالف الإسلامي، بحكم التطوّرات التي شهدتها البلدان المنضوية تحت لوائه، غلبة الممارسة السياسيّة وإنهاء حالة التقهقر الناجمة عن هيمنة الفكر الأيديولوجي. إننا نعاين الآن كيف أنّ الإعلان عن تأسيس التحالف الإسلامي يعتبر استجابةً طبيعيّةً لتسارع وتيرة الأحداث التي تشهدها المنطقة العربيّة، والتي بات التعاطي معها ضرورةً، لا قِبل للأطراف المعنيّة بتجاهلها، أو إرجائها، أو الاعتماد على الغير لدرء أضرارها.
لو تأمّلنا جيّداً في الأمر، لوجدنا أنّ الصيغة الجديدة لا تمثّل نفياً لمشروع الوحدة العربيّة، بقدر ما تعبّر عن توخّي نهج جديد، يقوم على تحقيق مراميها والحرص على تجاوز البحث في شكليّاتها. فهي تستبطن فكرة أنّ مفردات التقارب العربي لا بدّ أن تنطلق من الاستجابة للعاجلات من الأمور، وإرجاء الآجلات إلى حين. فنحن نرى كيف أنّ العمليّة السياسيّة، باختلالاتها وعيوبها ونقائصها، بل حتّى برذائلها، تمكّنت من إرساء عمل مشترك، في وقتٍ فشلت فيه تيارات أخرى في بلوغ حتّى أعتاب مرحلة التوافق، وهي الّتي احتكرت لنفسها مشروع الوحدة العربيّة. من مؤشّرات نجاعة هذا التوجّه نجاحه في استقطاب أكثر من عشرين دولة في مناوراتٍ عسكريّةِ مشتركة (رعد الشمال)، وهذا سابقة في التاريخ السياسي العربي والإسلامي الحديث.

مستويات الأداء وآفاق التنسيق المستقبلي
لا يمكن أن يتصوّر متابع أنّ التحالف الإسلامي كان قراراً فجائيّا، فالمؤشّرات الّتي قادت إلى إطلاقه بدأت منذ أواسط التسعينيات، إثر تأسيس قنوات إعلاميّة متعدّدة، أسهمت بشكلٍ حاسم في دحض كثير من العبثيّة السياسيّة، وإبراز مواطن الاختلالات الّتي يعاني منها العقل السّياسي العربي.
بدأ مسار القطيعة مع المنطق الأيديولوجي يُثمر وعياً سياسيّاً، لدى بعض الأقطار العربية، نما رويداً رويداً بشكل منفصل، إلى أن دفعت به التحدّيات المشتركة إلى التبلور، على أساس التعاون والالتقاء على الحدّ الأدنى، ملقياً عن كاهله أعباء التماهي الكامل في بوتقة المشروع الواحد.
في قطيعةٍ بيّنةٍ مع التقليد السياسي العربي، نجد التحالف الإسلامي يراهن على صيغةٍ رخوةٍ تتيح إعادة تشكيل موازين القوى من الداخل، بشكل مستمرّ، من دون تقويض للمسار التوافقي، أو إهدارٍ لأسس التنسيق الجماعي، فلا ضير أن يقع التداول على دور الرّيادة، حسب ما تقتضيه الظّروف وبلاء الأطراف المعنيّة في الاستجابة للتحدّيات المطروحة. فإذا كانت قطر قد لعبت الدور الأبرز في وقت ما، فإنّ هذا لم يمنع دولاً أخرى، مثل تركيا والسعوديّة من تصدّر المبادرة لاحقا.
من مؤشّرات نجاح هذا التحالف تجنُّبه المكابرة، أو التّعلّق بأهدافٍ لا تتناسب ألبتّة مع إمكاناته. يصل متتبّع الحالة السياسيّة العربيّة إلى حقيقةٍ مفادها بأنّ ردم الهوّة بين الأهداف والإمكانات غالباً ما استدعى الّلجوء إلى حالة تهييج جماهيري، وهي حالة ضاغطة، فشلت دول عربيّة عديدة في توجيهها، ففضّلت، في أحيانٍ كثيرة، استفراغها في انتصاراتٍ موهومةٍ، كي تتفادى مخاطر انفجارها داخليًّا.
في هذا السياق المتّصل بأنماط الشرعنة السياسيّة، وإذ نؤكّد على أهميّة استثمار ”التهديد
كان بروز التحالف الإسلامي تعبيرا عن مراجعة أنماط العلاقات السائدة أولا، ورغبة في تجاوز نقائصها ثانيا” الإيراني”، ننبّه إلى مخاطر استعماله خارج دائرة الاستنفار، من قبيل الزجّ به في لعبة المزايدات السياسية الداخليّة، حيث لا يمكن أن ننكر حقيقةً في المجال السياسي، هي أنّ الشرعيّة سلاح ذو حدّين، فبقدر ما تكون كفاءتها عالية في التجميع والاستقطاب، بقدرما تكون قابليّتها للانزلاق إلى عامل تهييج مرتفعة.
وعلى الرغم من أهمّيتها، فقد تشكل ورقة ”الخطر الإيراني” عنصر ارتكاس وتضييق على الحريّات، في حال اعتمادها، لتأسيس شرعيّة سياسيّة تفضي، بحكم تقبّلها جماهيريّا، إلى إلهاء المواطنين عن اهتماماتهم وتجاهل الاستجابة لمطالبهم. علينا أن نعترف بأنّ واقع الصراع الدموي المفتوح مع إيران على أكثر من واجهة، قد يؤدّي إلى إعادة إنتاج خطابٍ أيديولوجي، يقوم على معاداة شعب أو دولة أو طائفة أو غيرها. لكن، وبالنظر إلى أعضاء التحالف الإسلامي، نجدنا مدفوعين إلى القول إنّ مشاركة دولٍ، مثل إندونيسيا أو ماليزيا أو غيرها من الدول غير المحتكّة مع إيران، ستكون من العوامل المعدّلة والضروريّة من أجل استعمالٍ ناجعٍ للورقة الإيرانيّة.

خاتمة
مؤكّد أنّ التحالف الإسلامي دفعته تحدّيات اللحظة إلى إيلاء البعدين، السياسي والعسكري، الأولويّة القصوى، لكن تحسين الأداء السياسي والعسكري، وتثبيت الإنجازات المنبثقة عنهما، يمرّ ضرورة عبر استكمالهما بنجاحات اقتصاديّة وعلميّة. ويمثّل هذا التحالف كذلك فرصة لتكريس تقسيم الأدوار بين الدّول الإسلامية والعربية. إذ من الملاحظ أنّ غالبيّة الدول المعنيّة تعتبر صغيرةً، لا يسمح حجمها بلوغ عتبة النّجاعة في مجالات اقتصاديّة وعسكريّة متشابكة ومعقّدة. بات توحيد الإمكانات ضروريّا للتحكّم في تعقّد المجالات المعرفيّة المختلفة وتداخلها، والبلوغ بها إلى مراتب النجاعة المطلوبة.
من المفترض أن تقودنا المقابلة مع إيران إلى تجذير تِلْكُم المبادئ المُغيّبة في إيران، من باب إنجاح عمليّة التمايز البنّاء، فنؤصّل للمحاسبة بدل العصمة، والمساواة بدل التفاضل، ونسهم في ازدهار مبادئ الدولة المدنيّة مقابل هيمنة نموذج الدولة الدينيّة الإيرانيّة، ونكرّس رفضنا زعزعة استقرار الدول الشقيقة، بدل الرغبة في التمدّد على حساب الجوار.
الأكيد أنّ نقائص عدّة لا تزال قائمة. لكن، لا بدّ في المقابل من الإقرار بوجود أقدار كبيرة من التكامل بين دول التحالف، تبدو احتمالات تطوّرها متوفّرة. أوّلا، لأنّ أهداف التحالف الإسلامي قابلة للتحقّق، دونما تصادم مع منطق السّيادة الوطنيّة. ثانياً، لأنّ هذه الأهداف قابلة للمعاينة والتقييم. ثالثاً، لأنّها متناغمة مع هوى الشعوب العربيّة والإسلاميّة

سامي القدّي وعبد الجواد قاسم