الانتخابات الجزئية: هل هي نهاية “مشروع تونس”؟

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-02-05 00:11:31Z | | ÿÿÿÿÿÿÿÿÿÿÿÿÿçe#I·ÿ

حسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بتونس، بلغ عدد المشاركين في الانتخابات التشريعية الجزئية في دائرة ألمانيا؛ 1325 ناخبا، من جملة 26382 مسجّلا، وقد فاز في هذه الانتخابات مرشح قائمة أمل ياسين العياري بــ284 صوتا وتلاه مرشح نداء تونس بــ253 صوتا ثم قائمة التيار الديمقراطي بــ135 صوتا، وفي المرتبة الرابعة نجد مرشح “مشروع تونس” بــ132 صوتا. وقد كان عدد مكاتب الاقتراع أربعة مكاتب، بينما بلغ عددها في انتخابات 2014؛ ثمانية عشر مكتبا. ولمّا كانت البلاد تعيش في سياق انتقال ديمقراطي هش، فقد كان من المتوقع ألاّ تكون الأرقام في معزل عن التجاذبات السياسية والإيديولوجية التي طبعت الحياة العامة منذ المرحلة التأسيسية التي أعقبت الثورة. فالأرقام لا تدل بذاتها، وهي قابلة للتوظيف ولقراءات قد تبلغ حد التناقض. ولكنّ ذلك لا يعني اعتبار القيمة التفسيرية لكل القراءات متساوية، خاصةً عندما تصدر من أطراف اشتهرت بالتلاعب وفقدان المصداقية، بل يعني فقط استحالة الحصول على قراءة تكون محل إجماع أو حتى توافق بين أغلب الفاعلين الجماعيين، بصرف النظر عن قيمتها المعرفية المحض.

رغم كل الاحترازات المشروعة التي يمكن أن توجّه لمراكز سبر الآراء في تونس (بحكم علاقاتها “المشبوهة” ببعض الأحزاب ومصادر التمويل”المسيّسة”)، فإنّ فوز مرشح قائمة أمل ياسين العياري كان حدثا غير متوقّع، أو على الأقل كان حدثا صعب التوقّع. ولكنّ انتصار هذه الشخصية السجالية في الانتخابات الألمانية (هو من شباب الثورة ومن معارضي المخلوع بن علي، وهو ابن الشهيد العقيد الطاهر العياري، كما يُقدم نفسه على أنه يساري ينتمي إلى العائلة اليسارية الاجتماعية التي لا تشكل الجبهة الشعبية جزءا منها)، ذا دلالة رمزية عالية، فقد حصل يوم الاحتفال بذكرى ثورة 17 ديسمبر المجيدة، وحرّك سواكن وأعاد توزيع الأوراق في أكثر من مستوى وبين أكثر من طرف.

لقد أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية بألمانيا جملة من الحقائق التي حاولت الكثير من الأطراف الالتفاف عليها، أو حتى توظيفها لصالحها

قد لا يكون ياسين العياري هو “مسيح الثورة”، فلن يكون لانتصاره أثر كبير في بنية الحقل السياسي التونسي ولا في رهاناته الكبرى، وقد لا يكون هو أفضل نموذج للشباب الثوري، من جهة علاقته بالنخب السياسية بإسلامييها وعلمانييها، ولكن من المؤكد أنه ليس “دجّال” هذه الثورة ولا أحد طلقائها، ومن المؤكد أيضا أنّ لانتصاره تأثيرات كبيرة في مستوى عودة الروح/الأمل للشباب الثوري الذي كادت الخطابات السوداوية للإعلام والأداء الكارثي للنخب السياسية؛ أن تدفع به إلى اليأس من إمكانية الانتصار – ولو موضعيا أو جزئيا – على الماكينات الحزبية الماليةالدولية؛ التي تسند منظومة الحكم النيو-تجمعية.

لقد أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية بألمانيا جملة من الحقائق التي حاولت الكثير من الأطراف الالتفاف عليها، أو حتى توظيفها لصالحها. فبعيدا عن معجم “التشكيك” و”التتفيه” لانتصار ياسين العياري، وبعيدا عن ردود الفعل الدفاعية حينا والانفعالية أحيانا التي طبعت التدخلات الإعلامية لحزبي التوافق، أظهرت هذه الانتخابات أنّ مراهنة الإمارات والسعودية على حزب “مشروع تونس” وزعيمه محسن مرزوق؛ هي مراهنة قد تحتاج إلى مراجعات جدية. فمهما كان سبب امتناع القاعدة الانتخابية الندائية عن التصويت لحزبها، ومهما كان عدد أصوات النهضويين الذين ساندوا مرشح نداء تونس، تطبيقا لقرارات قيادتهم بدعم ذلك المرشح والمساهمة في “انتصاره”، فالأمر المؤكد الذي لا يمكن أن ينازع فيه إلا أحمق أو سفسطائي؛ هو أن تلك القاعدة الانتخابية لم تذهب إلى مشروع تونس، ومن باب أولى لم تذهب إلى مرشح الجبهة الشعبية.

الانتخابات الجزئية بألمانيا أظهرت أنّ المال السياسي والحظوة الإعلامية لم تستطع كلها أن تدفع بالندائيين إلى معاقبة حزبهم والتصويت لـ”مشروع تونس”

منذ اللحظة التي تأسّس فيها حزبه، حاول زعيم “مشروع تونس” أن يسوّق لنفسه باعتباره الوريث الحقيقي للبورقيبية ولمشروعه التحديثي، وباعتبار انشقاقه عن نداء تونس هو وفاء منه لانتظارات ناخبي النداء ورفضهم للتوافق مع النهضة، ذلك التوافق الذي يُهدد – حسب رأي مرزوق – ما يُسمّى في الأدبيات الحداثية بـ”النمط المجتمعي التونسي”. ورغم أنّ محسن مرزوق كان المهندس الأول للتوافق بين النداء والنهضة، فإنه قد نجح في توظيف الإعلام للتسويق لنفسه باعتباره “البديل” الأفضل الذي ينبغي للغاضبين داخل نداء تونس – وبين قواعده – أن يصوتوا له. ولكنّ الانتخابات الجزئية بألمانيا كذبت كل تلك الادعاءات الذاتية، وأظهرت أنّ المال السياسي والحظوة الإعلامية لم تستطع كلها أن تدفع بالندائيين إلى معاقبة حزبهم والتصويت لـ”مشروع تونس”.

لقد فشل محسن مرزوق في هذا الاختبار، ولا يمكن لكل عنترياته الإعلامية، ولا لعودته إلى مفردات الصراع الثقافوي و”الوجودي” ضد النهضة، أن تُخفي مذاق المرارة التي تجرعها بعد ظهور نتائج الانتخابات الألمانية: فشله أمام مشغّليه الخليجيين وأمام بعض مراكز النفوذ في الدولة العميقة. وهو فشل “خارجي” قد لا ينسحب بالضرورة على الداخل التونسي، ولكنه سيؤثر لا محالة في مصداقيته، وفي قدرته التفاوضية مع تلك الأطراف التي قد تجد نفسها مضطرة إلى تغيير استراتيجياتها و”رجالاتها”، وأولهم محسن مرزوق نفسه، كما قد تُضطر على كُره منها إلى الاستثمار في نداء تونس نفسه مرة أخرى، بعد أن أثبتت “شقوقه” عجزها عن وراثة قاعدته الانتخابية، وعن تقديم بديل عقلاني وأكثر فاعلية للتوافق.
1sws

عندما يكون”مشروعك” هو أساسا مشروع الثورة المضادة ومن يقف وراءها في الحلف الإماراتي السعودي المناهض للربيع العربي، فإن حصولك على المرتبة الرابعة هو فضيحة بكل المقاييس

عندما يكون مصدر شرعيتك – وتمويلاتك – هو ادّعاؤك القدرة على أن تكون بديلا لنداء تونس، وحجرة عثرة أمام أية توافقات إستراتيجية بين العلمانيين والإسلاميين، وعندما يكون هدفك هو أن تحتل المرتبة الأولى، بحيث تفرض شروطك على باقي الفاعلين السياسيين، خاصة النهضة، وعندما يكون”مشروعك” هو أساسا مشروع الثورة المضادة ومن يقف وراءها في الحلف الإماراتي السعودي المناهض للربيع العربي، فإن حصولك على المرتبة الرابعة هو فضيحة بكل المقاييس. فالحصول على المرتبة الرابعة في ظل غياب القاعدة الانتخابية النهضوية بالخارج، أو تغيبها المتعمد لفسح المجال لمرشح النداء بقوته الحزبية الذاتية، وهو موقف أقرب إلى التمرد على قرارات القيادة المركزية، ولكنه تمرد لم يبلغ حد انتخاب ياسين العياري المشهور بمواقفه العدائية بل التبخيسية تجاه النهضويين ومنطق التوافق.. يعني واقعيا المرتبة الخامسة على أقل تقدير. فهل يستطيع حزب “مشروع تونس”، الذي توجد قاعدته الانتخابية أساسا في إحصائيات حسين الزرقوني ومؤسسة سيغما كونساي، ومن يروّج لها ويموّلها في الإعلام التقليدي.. هذا الحزب الذي عجز عن إقناع الغاضبين من نداء تونس بانتخابه في أقصى مراحل نقمتهم على توجهات الحزب وأدائه، هل يمكن أن يبقى بعد هزيمة الانتخابات الألمانية مرشّحا جديا للتحالف الإماراتي السعودي في الاستحقاقات الانتخابية القادمة؟

إنه سؤال مشروع، ولكن يبدو أنّ الإجابة عنه ما زالت حتى هذه اللحظة جزءا من الخطابات المقموعة في إعلام لا يُخفي تضامناته الاستراتيجية مع المحور الإماراتي السعودي وكل الراغبين في العودة إلى مربع 13 كانون الثاني/ يناير 2011، بل كل الراغبين في تَونسة السيناريو الانقلابي المصري. وكيفما جرت الأمور، فإن المستقبل السياسي لمحسن مرزوق ومشروعه قد ضُرب في مقتل بعد انتصار ياسين العياري، وليست الكثير من اللطميات المهيمنة على المنابر الإعلامية في تونس للتباكي على الديمقراطية إلا تأبينا لأحلام “فتى طائش” ظنّ أنّ المال والإعلام وحدهما كفيلان بجعل “مشروعه” الانقلابي بديلا عن مشروع المواطنة والعيش المشترك بعيدا عن المنطق الاستئصالي والنوازع النرجسية البائسة.