عن برهان بسيّس والمقعد الألماني

تحليل المواقف والسلوك السياسي لكثيرين ممّن يفضحهم التاريخ وتخونهم الألسنة وتذلّهم الوقائع وتحتضنهم المنابر ولكن تغريهم المواقع فينقلب السحر على الساحر ويتحوّل “الممثّل الديمقراطي” إلى “دكتاتور مجاهر” على خشبة يدرك هو أكثر من غيره بحكم السقطة السابقة أنها متحرّكة وأن فعل الزمن فيها منقوش وأن الريش فوقها صامت أو يداس إنّ حرّكوه أو كان مفروش.

إستحظار المشهد يأتي تزامنا مع إستحضار برهان بسيّس لشخصيّته التي ذهبت مع المخلوع زين العابدين بن علي بدون رجعة وإستبدلها بشخصيّة لعوب تتموقع ضمن دفّة المنرطين تحت سقف الدستور الجديد للبلاد بعد أن لازم البيت وبعد تجربة الخوف الذي مارسه ترهيبا وترغيبا بمهمّات مدفوعة ضمن جوقة التزييف الإعلامي لنظام قمعي، أو بعد “إعتذار معلّق” ورواية جميلة مشفوعة ببعض الدّموع ذات ليلة لم يقل فيها سوى أنه لا يستحقّ أن يكون على رأس قائمة المطلوبين.

إستأسد برهان بسيّس كرمز لمنظومة الدعاية التي صنعت ملامح صورة المخلوع ونظامه القمعي و زينته بشتى الطرق بأموال صرفت من ميزانيّة لا ترى فئات واسعة وجهات برمّتها جزءا من البلد حتّى إنفجر بركان غضب قادما منها ليخنق النظام في قلب المركز ويجبره على أن يتحلّل، مفعول السقطة والهزّة القوية التي ضربت نظام الدكتاتور بن علي كان وقعه كبيرا على برهان بسيّس فاحتمى بـ”السفساري” متناسيا ذلك البيت الشعري العربي العميق “موت الفتى في عزّة خير من أن يبيت أسير طرف أكحل”.

إنبعث بسيّس للحياة السياسة ووجد نفسه مجدّدا بحكم طبيعة التوازنات والمشهد في واجهة السياسة التي تغيّرت قواعدها وشروطها وموازين القوى التي فرضتها المتغيّرات المتسارعة غير أنّ برهان لم يتغيّر أو أنّه لا يريد ولا يرغب في ذلك، فعاد بعد الجدل الذي أثارته الإنتخابات الجزئية بشأن مقعد ألمانيا الشاغر في البرلمان متسلّحا بخطاب السابع الذي يستبيح ويشيطن المنافسين ويعتصم بـ”وطنيّة” و”أخلاق” لم تكن في الواقع سوى آخر قلاع من إلتهمت الدوات الحضارية والتاريخيّة.

بقطع النظر عن طبيعة الدروس الحقيقيّة والأسباب التي أدّت إلى النتائج المصرّح بها إلى حدالآن فيما يتعلٌّق بالإنتخابات في ألمانيا والتي كان سبب خسارة مرشح نداء تونس فيها الإنقسامات والصراعات الداخلية الكبيرة التي يشهدها الحزب، فإنّ من مساحة التاريخ تطابقه بشكل مثير في بعض الأحيان فغوبلز الذي تقمّص برهان بسيّس شخصيّته لسنوات ألماني أيضا ولكن كيف يذكر في ألمانيا اليوم، كشريك في جرائم ضد الإنسانيّة.

خيمة التوافق التي تعضّ بالنواجد على أركان تجربة تونسيّة ناشئة تحضن من كان تحت سقف الدستور ويعزل المتشبّثون بالماضي أنفسهم عنها أمّا عن إسقاطها فمن الأجدر أن يحافظ على توازنهم قبل أن يسقطوا مرّة أخرى.