رغم التعثر تونس تنجح في إرساء مبدأ التداول على السلطة

تناقض حادّ بين التجربة التونسية وباقي تجارب البلدان العربية التي شهدت ثورات أو انتفاضات، جعلها استثناء في المنطقة فثورة تونس كانت ذات خصوصية في طبيعتها وفي طبيعة انتقالاتها، فكانت أول بلد عربي يحقق مبدأ التداول السلمي على السلطة مباشرة بعد ثورته، في وقت اعتقد كل المراقبين أن لا مستقبل لتونس خارج التوريث والتمديد.

ورغم الانتقادات الواسعة لمسار الثورة، وللتعثر الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنها فاجأت الجميع، وكانت أشهرها الأولى هي الحاسمة في مسارها، حيث اعتمدت تونس اسلوبا توافقيا، غلّب مصلحة الوطن، وقد سجل المشهد السياسي التونسي سابقة تعدّ الأولى من نوعها في المنطقة العربية بعد ثوراتها الأخيرة، مع النقل السلمي للسلطة في البلاد للمرة السادسة على التوالي في غضون 3 سنوات، بعد تسلم رئيس حكومة الوحدة الوطنية يوسف الشاهد منصبه.

في هذا الشأن، أوضح الكاتب الصحفي والمحلل السياسي أنور الجمعاوي في تصريح سابق للـ”شاهد”، أن الاعلام العربي والغربي ركز اهتمامه بعد الثورة خاصة على تعثر التجربة الديمقراطية، في وقت كان ممكنا التركيز على عديد النقاط الايجابية الأخرى كالتداول السلمي على السلطة والتعددية السياسية، كما غابت عن تغطياتها الاعلامية القضايا الاجتماعية التونسية في مقدمتها قضية “الهجرة غير الشرعية، وما بات يُعرف بالحرقة، أو العدالة الانتقالية.

وسجّل المسار الثوري في تونس، بعد اعتصام ساحة الحكومة بالقصبة في العاصمة في فيفري 2011، التسليم السلمي للحكم من قبل محمد الغنوشي، رئيس حكومة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، إلى حكومة انتقالية جديدة وذلك استجابة لضغط الشارع التونسي إبّان الثورة من أجل اقتلاع السلطة سلميا من يد رموز النظام السابق.

وتسلّم الباجي قائد السبسي، رئيس حزب “نداء تونس”، ورئيس الجمهورية حاليا، مقاليد الحكم من قبل حكومة محمد الغنوشي، وتولّت الحكومة الانتقالية، برئاسة السبسي الإشراف على تسيير شؤون البلاد وتنظيم أول انتخابات حرّة ونزيهة في تاريخ البلاد والتي جرت في أكتوبر 2011 لانتخاب أعضاء المجلس التأسيسي.

وبعد الانتخابات قام السبسي بتسليم الحكم في قصر الحكومة بالقصبة يوم 24 ديسمبر 2011، إلى الأمين العام السابق لحركة النهضة حمّادي الجبالي، في مشهد لقي إشادة من قبل مختلف زعماء العالم، لتتولى أول حكومة منتخبة في تونس تسيير شؤون البلاد إلى حدود فيفري 2013 .

وأفضت التوافقات السياسية بعد أزمة استشهاد شكري بلعيد، إلى تشكيل حكومة جديدة برئاسة وزير الداخلية في حكومة الجبالي علي لعريض، حيث شهد قصر الحكومة بالقصبة في 15 مارس 2013، “مشهدا ديمقراطيا حضاريا ” من جديد، قلّ نظيره في الوطن العربي، تمثّل في تسليم مقاليد السلطة من حمّادي الجبالي، الذي قرّر الاستقالة طوعا بعد أزمة اغتيال بلعيد، إلى، لعريض.

وواصلت حكومة لعريض مهامها في ظل تحدّيات اقتصادية صعبة، إلى حين اغتيال النائب بالمجلس التأسيسي محمد البراهمي في 25 جويلية 2013، وقد خلفت الحادثة احتجاجات بمختلف شوارع البلاد ومطالب بحل المجلس التأسيسي وإقالة حكومة لعريض.

وبعد سلسلة من المفاوضات اتفقت القوى السياسية في تونس على طاولة “الحوار الوطني” على تسليم السلطة إلى حكومة توافقية تتركب من كفاءات مستقلة تشرف على انهاء المرحلة الانتقالية وتنظم انتخابات عامّة، وهو ما قبله رئيس الحكومة علي لعريض، عندما قدّم استقالته طوعا الى رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي مؤخرا، ضمانا لانجاح التجربة الديمقراطية في تونس.

وتم على اثره اختيار رئيس الحكومة الاسبق مهدي جمعه لخلافته كنتاج للحوار الوطني، وتم منحه الثقة بالاغلبية المريحة ( 149 نائبا من مجموع 193 نائب شاركوا في التوصيت من أصل 216 نائبا بالمجلس

ومن جديد سجّل قصر الحكومة بالقصبة ، مشهدا مدنيا حضاريا يعدّ تاريخيا خاصة في الوطن العربي تجسّد بتسليم رئيس الحكومة المستقيل علي لعريض مكتب رئاسة الحكومة إلى خلفه مهدي جمعة.

ثم تكررت العملية بالنسبة لرئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد ومنه الى يوسف الشاهد لتسجّل تونس أهم المشاهد الحضارية في تاريخ الانسانية الا وهو التداول السلمي على السلطة.