خوصصة المؤسسات العمومية موضوع الساعة

طيلة العامين الأخيرين رافق زخم وجدل كبيران حول مسألة إمكانية اضطرار الدولة إلى التفويت في المؤسسات العمومية إلى صالح القطاع الخاص سيما وقد أضحت مصاريفها تثقل كاهلها و كتلة الأجور ارتفعت الى الحد الذي وجدت الدولة نفسها فيه عاجزة عن توفيرها، في ظلّ الأزمة المالية التي تمرّ بها .

وقد كشفت الحكومة مؤخرا عن تفاصيل خوصصة مؤسسات القطاع العام التي اقتربت من الإفلاس وباتت عبئا ثقيلا على الدولة من ناحية تمويلها، في ظل العجز الكبير الذي تعاني منه البلاد للعام السابع على التوالي.

وقال كاتب الدولة المكلف لدى رئيس الحكومة بالإصلاحات الكبرى توفيق الراجحي ، إن الدولة “تخطط للتفويت في 15 مؤسسة ومنشأة بحلول عام 2020” كمرحلة أولى.

وأوضح أن الخصخصة “ستكون لمؤسسات عمومية غير استراتيجية وفي قطاعات تنافسية في غضون السنوات الثلاث القادمة وهناك جدل متواصل بشأن مصير ثلاثة بنوك عمومية”.

وقال إنه “لا نية للحكومة خصخصة كبرى الشركات العمومية التي تنشط في القطاعات الاستراتيجية، على غرار المياه والكهرباء والغاز”.

وتعمل في تونس 104 مؤسسات ومنشآت عمومية في قرابة 21 قطاعا اقتصاديا، أغلبها متواجدة في ميادين الطاقة والصناعة والصحة والخدمات.

ويحتدم الجدل في تونس منذ العام الماضي حول وضعية المؤسسات المملوكة للدولة، التي ما انفكت تسجل خسائر مالية بعد أن كانت تحقق أرباحا وتساهم في تمويل موازنة الدولة.

ويبرز المسؤول الحكومي أن منشآت القطاع العام تشكو صعوبات مالية مصدرها تضخم فاتورة الأجور منذ عام 2011 والتي ارتفعت بنسبة 35 بالمئة، فضلا عن تراجع النشاط الاقتصادي للبلاد.

وأرجع الراجحي الخسائر المالية للمؤسسات الحكومية إلى تعطل النمو والنشاط الاقتصادي بنحو 5 مليارات دينار، مردفا “وصلنا إلى إرساء استراتيجية لإصلاح المؤسسات العمومية على ثلاث سنوات، لكن الهيكلة المالية للمؤسسات تستوجب أكثر من ثلاث سنوات”.

وأضاف “علينا الأخذ بعين الاعتبار البعد الاستراتيجي للمؤسسات إذ لا يمكن التفريط بمؤسسات مثل شركة الكهرباء وشركة توزيع المياه”.

ويقول الراجحي إن هدف الحكومة النهائي هو الحفاظ على مصالح الدولة ومصالح الشركات والعاملين، والإبقاء على وضعية مالية جيدة لها.

هل تنقذ الخوصصة المسسات من الأزمة المالية.. خبراء يجيبون

و في خضم هذا الشأن ، اعتبر وزير المالية الأسبق والخبير في الشأن المالي حسين الديماسي أن “هناك امور تفاقمت في المؤسسات العمومية بعد الانتفاضة اذ ان جل المؤسسات العمومية تراجع إنتاجها وانتاجيتها وتزايدت نفقاتها وهذا امر فيه مسؤولية للسلطة ولادارة المؤسسة وايضا للنقابات فالمسؤولية مشتركة وتُخمة الانتدابات دون فائدة في المؤسسات العمومية كان الاكثر ضررا كما انه هناك خصوصيات في بعض المؤسسات مثلا الستاغ لديها قروض غالية جدا كل خمس او عشر سنوات تقتني بها مولدات كهربائية وهي فيها نسبة فائدة مرتفعة ومنهكة وفي الان نفسه لدى هذه المؤسسات ديون كبرى بلغت 1140 مليون دينار متخلدة لدى حرفائها فاين القانون وأين الدولة لاسترجاع هذه الديون. اعتقد ان مشكلنا الاساسي سياسي”.

من جانبه ، قال الخبير في المخاطر المالية مراد الحطاب ان “موضوع الخوصصة مطروح منذ السبعينات منذ اواخر عهد الهادي نويرة حيث صعدت الطبقة الليبرالية كما انه لدينا اقدم قانون في العالم وهو قانون الشركات المصدرة كليا لسنة 1972 وهو يستنزف من موارد البلاد اكثر من 4 الاف مليار سنويا وبالتالي معاناة القطاع الخاص هي أضعاف ما يعانيه القطاع العام. كما انه لدينا اكثر من 73 الف شركة رأس مال البعض منها لا يفوق ثمن سيّارة وبالتالي هناك معاناة صامتة في القطاع الخاص وهناك منافسة غير شفافة والمشكلة ليست في القطاع الخاص والا العام المشكل هو ان اقتصادنا غير مربح الخوصصة تعكس عقلية اذ هناك أطراف تطمح للاستيلاء على تلك المؤسسات وترويج معلومات خاطئة لمصادرتها”.

و تابع القول ان “القطاع العام ليس ملك الحكومة ويجب حمايته من الاطماع فالحكومة ليس لديها اي استراتيجية واضحة في اي مجال وخطط عملها اغلبها حبر على ورق والخطة الخاصة باصلاح الوضع المالي للمؤسسات فاشلة وولدت ميتة مثل كل الخطط.”

ومن جهته، أكد الخبير الاقتصادي أشرف العيادي أن “الحكومات المتعاقبة مسؤولة على هذه الوضعيّة. فحوكمة المؤسسات العموميّة لم يتمّ تعديلها بإعطاء المزيد من الصّلاحيّات لمجالي الإدارة والفصل بين رئاسة المجلس والإدارة العامة وإعطاء المُتصرّفين هامش من التّحرّك خارج «سلطة الإشراف». أيضا متابعة عمل بعض هذه المؤسسات من طرف الحكومة ضعيف جدًّا و يقتصر على مدّها بكشف حسابات على فترات. فالدّولة لا تتوفّر لديها كلّ المعطيات حول خطّة العمل السّنويّة لكلّ مؤسسة و تكتفي بتحمّل الخسائر في آخر كلّ فترة محاسبيّة. علاوة على التّعيينات المشبوهة لأفراد معروفين بالتّزلّف للأحزاب والمُتَنَفّذين ولا يحملون أيّة كفاءة تُذكر لمؤسسات بحاجة لتدبير ورُؤية منهجيّة وتعصير لطرق التّنظيم والإنتاج والإرتقاء بالخدمات للمواطن.”

كما اعتبر ان ” الدّولة لم تعد قادرة على تحمّل هذا العبء الثّقيل سياسيًّا وتاريخيًّا وعمليّة الخوصصة الجزئيّة ضروريّة بعيدًا عن الايديولوجيّات والشّعاراتيّة التي يتميّز بها الخطاب السياسي و النّقابي في البلاد.”