ظاهرة التخلي عن الأطفال الرضّع .. القانون يجرّم والشرع يحرّم

شهدت الفترة الماضية تنامي ظاهرة التخلي عن الأطفال الرضع، ووضعهم في حضانات أمام المستشفيات والبلديات وفي الطرق المزدحمة في تونس، ما دفع بعض المنظمات المهتمة بالشان الى إصدار تحذير من تداعيات هذه الظاهرة على حق الطفل في معرفة هويته ووالديه.

وتعتبر القمامة، أو مطارح النفايات، المكان المفضل للمقدمين أو المقدمات على رمي الرضع أحياء أو أمواتا، كما أن هناك من تقدم على الإجهاض في الشهور الأولى من الحمل لدى أطباء مختصين أو بأماكن سرية أعدت لهذا الغرض.

هذه الظاهرة مرتبطة بشكل كبير بملف ارتفاع الأطفال غير الشرعيين، الذي ظل محل شد وجذب بين كثير من الأطراف التي اختلفت رؤاها في كيفية معالجة الظاهرة وكذلك التعامل مع انعكاساتها الخطيرة التي أصبحت تهدد وحدة المجتمع التونسي وأمنه، وبقي أحد ابرز الظواهر التي تؤرق السلطات، على الرغم من أن تونس قطعت أشواطا كبيرة على طريق الحد منها.

ويظهر حجم الأزمة مع كشف مصادر رسمية في وزارة المرأة منذ عامين أن عدد الولادات خارج إطار الزواج يتراوح بين 1200 و1500 ولادة سنويا، أغلبها بالعاصمة.

وحسب تلك المصادر، فإن أغلب الفتيات اللاتي أنجبن خارج إطار الزواج القانوني هن فتيات قاصرات وأمهات نزحن من مناطق ريفية فقيرة إلى العاصمة بحثا عن عمل، لكن بعضهن تعرضن إلى استغلال جنسي.

و يحاول عادة مرتكبو هذه الجرائم الجنسية الهرب تسترا عن الفضيحة من دون ان يعيروا أي اهتمام للأضرار التي تصيب الفتيات اللواتي عادة ما يجدن انفسهن قد غرقن في مستنقع الرذيلة لمجرد ارتكابهن أول خطأ جنسي في مجتمع محافظ لا يتسامح مع مثل هذه القضايا، وخاصة بالنسبة إلى كثير من العائلات التونسية التي تضطر عادة إلى التبرؤ من بناتها.

فعدد الأطفال الذين تخلت عنهم أمهاتهم في أماكن معلومة سواء المستشفيات أو مراكز الطفولة المسعفة أو حتى في الأماكن العمومية، ازداد خلال الاعوام الاخيرة وهو ما اثبتته إدارة مستشفى فرحات حشّاد بولاية سوسة، التي وجهت بدورها نداء للعائلات للتكفّل بهؤلاء الرضع الموجودين حاليّا في المستشفى بمدينة “سوسة”، دون اعتبار عدد المواليد الأقل حظا الذين يتم إجهاضهم أو دفنهم وهو أحياء أو أموات أو الرمي بهم في قمامات الزبالة العمومية وكثيرا ما كشف مواطنون عاديون عن رضع حديثي الولادة تم رميهم في صناديق القمامة أو على قارعة الطريق ليلتقطهم المارة.

وينجو فقط من يحالفهم الحظ بالظفر بصفقة تبني من طرف عائلات لم ترزق بمواليد أو التكفل ببعض هؤلاء المواليد والأطفال، فيما يواجه آخرون مصيرا مجهولا .
وتشجع الدولة النساء على الاحتفاظ بأولادهن وعدم الرمي بهم في الشوارع أو دفنهم وهم أحياء، وحتى لا تتحمل الدولة كذلك عبء التكفل بأعداد هائلة من هؤلاء الأطفال الذي يشكلون فئة أصبحت تستحق الاهتمام والدراسة بسبب الأرقام الموقعة.

وتبقي ظاهرة الإنجاب خارج إطار الزواج الشرعي في تونس تستحق الدراسة باعتبارها من أهم الظواهر التي تؤرق السلطات، على الرغم من أن تونس قطعت أشواطا كبيرة على طريق الحد من ولادة الأطفال غير الشرعيين.

الأخصائيون في الشأن الاجتماعي يقدرون بأن تتجاوز معدلات الأطفال الذين يتم إنجابهم فوق كل التوقعات في ظل غياب برنامج اجتماعي من الدولة يحد من الظاهرة.

وأكدت دراسة قام بها المرصد الوطني للأزواج والأسرة أن نسبة الرجال في تونس أن الذين أقاموا علاقة خارج إطار الزواج بلغت 80 بالمائة في حين بلغت هذه النسبة عند النساء 50 بالمائة، في المقابل أوضحت دراسة أخرى جاءت تحت عنوان “جنسانية الرجال التونسيين” أن 84 بالمئة من التونسيين يرفضون الزواج بامرأة لها تجارب جنسية سابقة، ممّا دفع الكثير من النساء للالتجاء إلى الأطباء لإجراء عملية استرجاع غشاء البكارة تخوفا من نبذ اجتماعي.

كما تشير إحصاءات وردت في دراسات اجتماعيّة أن 1060 ولادة غير شرعيّة تتمّ كلّ عام في تونس، إلا أن العدد الحقيقي يفوق ذلك، وهناك حالات حمل بسبب الاغتصاب وهي قليلة وأكثر الولادات هي نتيجة علاقات خارج مؤسّسة الزواج علماً أنّ القانون التّونسي يجيز الإجهاض، والملاحظ انّ هناك أمهات عازبات يحتفظن بأبنائهن في حين أن أخريّات يلدن في المستشفيات ويتركن الرضيع ويذهبن في حال سبيلهنّ وتتولّى المستشفيات نقل الرضّع إلى دور تحت رعاية الدولة وهي موجودة في تونس العاصمة وبعض المدن الأخرى مثل قرية”إس أو إس” ب”قمرت” وهي تأوي 100 طفل من بينهم بعض اليتامى.

كما يشير مختصون في أصول الدين الى أن ظاهرة رمي الأطفال محرمة شرعا بنص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، مهما كانت الأسباب، خاصة منها التي تعود إلى العلاقات غير الشرعية خارج مؤسسات الزواج، خوفا من الفضيحة والعار.