التضخم غول يهدد بتفقير الطبقة المتوسطة في تونس

لم يعد المواطن التونسي يستغرب تواتر مصطلح التضخم المالي في الخطابات السياسية والاقتصادية للمحللين والاعلاميين بعد ان اصبح واقعا معيشا يعانيه كل يوم منذ سبع سنوات حيث يرتفع التضخم بنسق تصاعدي حتى اصبح غولا يهدد “القفة” اليومية للمواطن ويخل بالمستوى المعيشي للطبقة المتوسطة التي بدأت تتجه نحو الاندثار و الذوبان في الطبقة الفقيرة.

قد كشف بحث علمي أنجزته جامعة تونس أن الطبقة المتوسطة هي الأكثر استهدافا بهذا الانخفاض، الأمر الذي تسبب في تراجع تصنيف هذه الطبقة ضمن تركيبة المجتمع التونسي من 80 إلى 67%، خلال السنوات الماضية، ما يعني أن 17.5% انحدروا فعليا إلى تعداد الفقراء منذ 2012. وأبرزت الدراسة ذاتها أن القدرة الشرائية للتونسيين تتآكل سنويا بنسبة 10%، وهو ما أدى إلى فقدان التونسيين لأكثر من 40% من إمكانياتهم، بسبب ارتفاع الأسعار، ونسب التضخم. هذا النزيف لم يتوقف منذ اندلاع الثورة وكانت آثاره كارثية على التونسيين عموما وعلى الطبقات المعدومة على وجه الخصوص.

وكشفت إحصائيات رسمية نشرها المعهد الوطني للإحصاء أن معدل التضخم ارتفع إلى 6.3 % في شهر نوفمبر مقارنة بـ 5.8 % في شهر أكتوبر في وقت لم تتجاوز فيه نسبة النمو 2.1%.

وأفاد معهد الإحصاء إن مؤشر أسعار المواد الغذائية ارتفع إلى 8.7% في نوفمبر عن مستواه قبل عام وزادت أسعار الخضروات 15.9%.وتعتبر هذه النسبة هي الأعلى منذ سنة 2014.

هذه النسبة الكارثية ادت حسب محللين الى تراجع القدرة الشرائية للمواطن التونسي بأكثر من 42 بالمائة خلال السنوات الأخيرة في ظل انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.وقد صنفت تونس في المرتبة الثالثة على مستوى شمال إفريقيا ضمن قائمة المدن الأكثر غلاء.و من المتوقع أن يتواصل تراجع القدرة الشرائية للتونسي بسبب الارتفاع الكبير، وغير المعلن أحيانا، في أسعار العديد الخدمات والقطاعات على غرار خدمات الاتصالات وفواتير الكهرباء والغاز والأدوية والخدمات الصحية والتبغ.

و هذا السياق أفاد سليم سعد الله رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك في تصريح للشاهد أن نمط عيش التونسيين عموما و الطبقات المتوسطة و الفقيرة انقلبت رأسا على عقب بسبب تدهور المقدرة الشرائية رغم أن أسعار المواد المدعمة لم تشهد زيادة كبيرة منذ سنة 2011 حسب قوله ،معتبرا أن تدهور المعيشة على نحو خطير يتحمل جزءا من مسؤوليته المستهلك التونسي بسبب تغير سلوكه وخياراته في الحياة.

كما لاحظ أن تزامن المواسم الاستهلاكية دفعت بالمواطن إلى التداين والاقتراض من البنوك وهو ما أثقل كاهله وجعله غير قادر على تلبية كافة الحاجيات.

وقال سعد الله أن الزيادة المتتالية في الأجور ليست الحل الأمثل للحد من تراجع المقدرة الشرائية للتونسي، مشيرا إلى أن الحل يكمن في التحكم في مسالك التوزيع ومراقبة الخدمات التي تشهد كثيرا من الانفلات

في سياق متصل قال الخبير المحاسب وليد بن صالح في تصريح لاحدى الاذاعات الخاصة إنّ نسبة التضخّم الحالية مرتفعة جدا، مرجحا مزيد ارتفاعها خلال 2018 مقارنة بسنة 2017 بسبب الاجراءات المنصوص عيها في قانون المالية.

واكد الخبير، إنّ قانون المالية للعام المقبل سيساهم في الترفيع في نسبة التضخم من خلال اقرار العديد من الزيادات في العديد من المنتوجات وخاصة المحروقات والكهرباء والغاز واقرار زيادة بنقطة في الأداء على القيمة المضافة وهو ما سينعكس آليا على أسعار المنتوجات، على حد قوله.

وقال الصالحي أنّ الزيادة بـ 1 بالمائة في الآداء على القيمة المضافة يمكن أن تؤدي إلى زيادة بـ 1 بالمائة في نسبة التضخّم، إضافة الى الزيادات المرتقبة في معاليم الديوانة وغيرها من الآداءات.

كما أكد أنّ إنزلاق الدينار اضافة إلى عوامل التضخّم فضلا عن الزيادات الأخرى في الأجور وغيرها تشكّل أعباء جبائية إضافية وستساهم في الترفيع في الأسعار لتؤثّر في نهاية الأمر على المستهلك النهائي.

وأكّد أنّ ارتفاع نسبة التضخّم تؤثر سلبا على الإستهلاك والإستثمار، وهو ما يمثل ضربا لعاملين رئيسيين للنمو.