هل ينتهي دور وثيقة قرطاج في تغليب مصلحة البلاد؟

ما انفكت وثيقة قرطاج تكون نقطة التقاء مختلف الاحزاب والتفافهم حول حكومة الوحدة الوطني لمساندتها ودعمها، حتى أصبحت نقطة اختلافهم في غضون أشهر من اعلانها، وغادرت أحزاب هذا الاتفاق على غرار الحزب الجمهوري، وافاق تونس في طريقه الى المغادرة، فيما تخلت عنها حركة مشروع تونس، وانتقدتها عدة أحزاب أخرى كحزب المسار.

فالوثيقة التي مثلت جوهر اتفاق عدد من الأحزاب والمنظمات الاجتماعية التونسية، على خارطة طريق وقعتها تسعة أحزاب وثلاث منظمات تونسية، ضمنت خطوطا عامة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وأولويات في عدد من المجالات الوطنية، وعلى قاعدتها تم تشكيل حكومة وحدة وطنية قامت على أنقاض حكومة الحبيب الصيد، وهي الثامنة في تونس بعد الثورة برئاسة يوسف الشاهد.

وتنص وثيقة الاتفاق على أن أولويات حكومة الوحدة الوطنية تشمل “كسب الحرب على الإرهاب، وتسريع نسق النمو والتشغيل (العمل)، ومقاومة الفساد وإرساء مقومات الحكومة الرشيدة، والتحكم في التوازنات المالية، وإرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية، ودعم نجاعة العمل الحكومي واستكمال تركيز المؤسسات”

هذه المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، على مبدأ توسيع قاعدة التوافق السياسي والاجتماعي حول عدد من الأولويات، بهدف تجاوز المأزق الذي عرفته البلاد مع نهاية الحكومة السابقة، بسبب حالة الاحتقان الاجتماعي نتيجة فشل الحكومة في إيجاد حلول للوضع الاقتصادي المتردي.

وقد كان من المؤمّل أن تشهد تونس صيغة جديدة في التعامل السياسي بين مختلف الأطراف الّتي إنخرطت في هذا الاتفاق وأن يحدث التفاعل الإيجابي بين مكونات هذه الأطراف وانخراطها في معارك إرساء الوسائل والآليات الّتي تستوعب انتظارات مختلف فئات الشعب، غير أنه في ظل مناخ انعدام الثقة الذي ساد الشارع التونسي في موقفه تجاه أغلب الاحزاب المكونة للمشهد السياسي، ونزعة السياسيين الى انهاء أنشطتها المنفردة والدخول في التحالفات، تغليبا لمصالحها الحزبية بات يهدد وثيقة قرطاج، والوحدة الوطنية التي أجمعت أغلب الاطراف السياسية والاجتماعية حولها.

وكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد أكد بداية الأسبوع الحالي، أن حكومته لن تتراجع عن الاصلاحات التي شرعت في إنجازها منذ انطلاق عملها وستواصل الحوار مع الجميع للبحث عن توافقات مع كافة الاطراف.

وبرغم الامال التي كانت تعلق على ان يتجاوز جميع السياسيين خلافتهم و تغليب مصلحة البلاد غير أن الصيغة الجديدة في التعامل السياسي بين مختلف الأطراف الّتي إنخرطت فيها تبين أن وثيقة قرطاج ستبقى مجرد حبر على ورق حيث ستلعب الاوراق السياسية تحت طاولة المشاورات الضيقة مما يعني ان الخلافات ستؤثر سلبا على العملية السياسية.

وسيبقى دور الوساطات التي تعول عليه العقول الراشدة في ايجاد توازنات ونخص بالذكر دور المركزية النقابية ومنظمة الاعراف هي الاخرى في قفص الاتهام حيث ستلعب دور المعارضة التي تقود المنظمة الشغيلة في توجهاتها اليسارية من اجل تعطيل المشاورات و ايجاد صيغ للتفاهم عبر تقديمها حلولا تعجيزية للحكومة التي لا تُستثنى بدورها من خدمة اجندات سياسية تتصارع فيما بينها من اجل الكراسي و الحقائب الوزارية.