“واقع الحريات في تونس مهدد”

ما انفكت تعلو خلال الآونة الأخيرة صيحات فزع تنذر بالتهديد الذي بات يطوق واقع الحريات في تونس مربكا مسار الانتقال الديمقراطي الذي تعمل تونس جاهدة على إنجاحه.

ولعل الانتهاكات والممارسات القمعية التي عادت بقوة خلال السنوات الأخيرة جعلت منظمات حقوقية وطنية ودولية تدق ناقوس الخطر خشية حياد تونس عما ينص عليه دستورها.

وقد لاحظت المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب أن الدولة لم تستجب لأغلب التوصيات التي توجهت بها اليها المنظمات الحقوقية، وأكّد نائب رئيس المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب مختار الطريفي أن «التعذيب يعود بنسق حثيث في تونس»وأن «المسألة الأخطر تتمثل في عدم متابعة الشكايات التي يتقدم بها الضحايا أو الهياكل المعنية وتنامي الإفلات من العقاب.

و أوضح الطريفي أن الشكايات التي تقدمها الهياكل المعنية بمناهضة التعذيب لا تجد المتابعة اللازمة من القضاء ولا من السلط الادارية المعنية، بما يسمح بتزايد حالات الإفلات من العقاب.

وحذّر الحقوقي من بروز ممارسات التشفي من ضحايا التعذيب من خلال رفع قضايا ضدهم في الاعتداء بالعنف على موظف اثناء مباشرته لمهامه او من خلال تهديد أقاربهم والإنتقام منهم بطرق مختلفة.

وفي تقريرها لشهر نوفمبر 2017 المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، أكدت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب أنها ما زالت تسجل حالات عنف شديد ضّد الشبان في الشارع تحت ذرائع مقاومة الجريمة وترويج المخدرات، وأن هذه الاعتداءات تسبّبت في أضرار جسيمة للمعتدى عليهم وهم ممنوعون من الحصول على شهادات طبية في الغرض إلا بإذن من القضاء.

كما أشار تقرير المنظمة إلى كون ضحايا العنف الأمني لو عنّ لهم تقديم شكاوي بالأمنيين يتعرضون لحملات تشويه على مواقع التواصل الاجتماعي بالترويج لكونهم من عتاة المجرمين وبأنهم يستهدفون قوات الأمن.

ولفت تقرير المنظمة كذلك الى تقاعس وزارة الداخلية في تنفيذ القرارات الصادرة من القضاء في علاقة بالإقامة الجبرية، مؤكدا أن هذا الوضع يتطلّب إصلاح قانون حالة الطوارئ بما في ذلك وجوب تعليل قرارات الإقامة الجبرية وسرعة النظر فيها من قبل القضاء ووجوبية ردّ وزارة الداخلية على الطعن القضائي.

واعتبر رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جمال مسلم أن هناك بوادر تراجع عن المكتسبات المحققة في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان في بلاده.

وقال ان الهيئات الدستورية في تونس تهيمن عليها التجاذبات السياسية التي أثرت على أدائها إلى جانب وجود ضغط سياسي عليها، مبرزا أن المسار الديمقراطي وما تضمنه دستور جانفي 2014 يدفعان باتجاه تركيز دولة ديمقراطية ومؤسسات الدولة.

وفي سياق متصل، جدد مسلم رفض الرابطة للصيغة الحالية لمشروع قانون “زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح” لما فيه ضرب للحريات العامة والفردية وحرية الإعلام والتعبير، مشيرا في المقابل إلى أحقية رجال الأمن في الحصول على حقوقهم المادية والمعنوية المشروعة والحصول على التعويضات لعائلاتهم في حالات الوفاة جراء العمليات الإرهابية.

ويرجع مراقبون المخاطر المحدقة بحقوق الإنسان في تونس إلى عدم وجود منظومة فعلية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى وجود مخاطر تتعلق بضعف آليات الرقابة والمحاسبة في مختلف المجالات، مشددين على أنه من الضروري العمل على أن تصبح لحقوق الإنسان قوانين ومؤسسات رقابية وثقافة مجتمعية وهو ما سيتطلب وقتا و دعما لعمل منظمات حقوق الإنسان بدل مهاجمتها والتنقيص من شأنها.

و في السياق ذاته، دعت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان السلطات إلى سن قوانين ديمقراطية تحترم فيها حقوق المواطن.

وانتقدت المنظمة تدهور واقع الحريات الفردية، ومواصلة العمل بقوانين مر على سنها عقود وتتضارب مع الدستور الجديد ومع الاتفاقيات الدولية التي تكتسي صفة العلوية على القوانين الداخلية.

كما حذرت الرابطة من التباطؤ في “تركيز المؤسسات الديمقراطية التي نص عليها الدستور ومن بينها المحكمة الدستورية والهيئات التعديلية وتأجيل انتخاب المجالس الجهوية والمحلية التي أعطاها الدستور سلطات لا مركزية حقيقة وذلك لأسباب مختلفة منها عدم صدور قانونها الأساسي وتواصل التجاذبات السياسية بشأنها”.

في المقابل، قالت وزارة الخارجية في بيان الأحد إن عضوية تونس في مجلس حقوق الإنسان تعكس المكانة الكبرى التي تحتلها حقوق الإنسان في سياساتها والتزامها الثابت بمواصلة تطوير منظومتها المؤسساتية والتشريعية عبر استكمال إرساء المؤسسات الدستورية والهيئات الوطنية وإتمام الإصلاحات القانونية والهيكلية بما يتلاءم مع الدستور.

وأكد وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مهدي بن غربية حينئذ، التزام حكومة بلاده بكسب المعركة ضد الإرهاب والتطرف وبإرادة ثابتة لتعزيز حقوق الإنسان.

وأضاف أن المجتمع المدني يمثل شريكا استراتيجيا لبناء مقومات دولة القانون والمؤسسات في تونس.