تونس تفقد بوصلة سياستها الداخلية

في ظل مناخ انعدام الثقة الذي ساد الشارع التونسي في موقفه تجاه أغلب الاحزاب المكونة للمشهد السياسي، وتجاه الحكومة التي لم تف بعد باغلب الوعود التي أطلقتها لتتجاوز بها أزماتها المؤقتة، لتواجه اشكالا من نوع اخر، إشكال فشل سياستها الداخلية على مختلف المستويات، في وقت بدأت سياستها الخارجية تتعافى، رغم أخطاء فترة ما بعد الثورة.
فتتساوى الحكومة بذلك مع المعارضة، في معاناة أزمة قد تكون مستعصية، انعكست سلبا على تعاطيها مع مختلف الأطراف، في مقدمتهم مؤسسة رئاسة الجمهورية التي راجت مؤخرا تسريبات تشير الى توتر العلاقة بين المؤسستين، فضلا عن تعاطيها المرتبك مع الأحزاب المعارضة وحتى المشاركة في تركيبتها، إلى جانب تعاطيها المرتبك مع التحركات الاجتماعية وهو ما أفقدها مصداقيتها أمام الشارع التونسي.
تونس التي مازالت رغم الاولويات التي اعلن عنها الشاهد منذ اكثر من سنة، تعاني ركوداً إقتصادياً، يكاد يكون خانقاً، لا يضغط على قطاع السياحة فحسب، بل كذلك على خزينة الدولة التي لم تجد سوى الإقتراض سبيلاً لتمويل مشاريع الإعمار على قلتها، وهي مشاريع لا تستطيع أن توفر فرص عمل لحوالي 620 ألف عاطل عن العمل، ولا تستطيع ان تدعم قوة الدينار التونسي الذي إنخفضت قيمته الشرائية في مقابل الدولار.
اجتماعيا، ساهمت الاحتجاجات المُشتعلة هنا وهناك، بشكل عفوي حينا وبفعل فاعلين أحيانا أخرى، في إضعاف الحكومة وهزِّ مصداقيتها، بسبب الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة وأعضاؤها أخطاء في التّعاطي مع التحركات الاجتماعية
أما على الصعيد الحزبي فيبدو أن القوى التي تدير الحكم تعاني هي الأخرى من أزمات داخلية، فـ”نداء تونس” تفتت ثلاثة إتجاهات وتوزع بين الرئيس السبسي، ومحسن مرزوق (مشروع تونس) وطرف ثالث يدعو لإعادة توحيد الحركة على أسس يراها صالحة لتجاوز الأزمة، فيما انسحب الحزب الجمهوري من الحكومة، وينتظر أن يلتحق به حزب افاق تونس الذي لم يعد مرحبا به، بعد سهام الانتقادات التي وجهها للحكومة والاحزاب الشركاء فيها.
وتشير أغلب تصريحات القيادات السياسية في تونس، والمحللين الى أن الحكومة تعيش أزمة حكم، في ظل وجود صراعات خفية بين حركة نداء تونس والشاهد، قد تعجل بتغييره في الايام القادمة، أو إجراء تحوير وزاري.
مثل هذه الأجواء عكست نفسها سلباً على الرأي العام الذي يرى في النزاع داخل الحزب الواحد مجرد صراع على المصالح الذاتية خاصة أن البرامج لدى معظم الأطراف تكاد تكون متشابهة في ما بينها، فضلاً عن كونها فشلت في حل أزمة البلاد.
وهو ما ولد ظاهرة العزوف لدى التونسيين أو نسبة منهم الذي يرفضون اليوم المشاركة في العمليات الانتخابية، كما يرفضون الانخراط في الحياو السياسية، وتكون لديهم مناخ من انعدام الثقة في الحكومة وفي السياسيين بصفة عامة.
في المقابل، بدأت الدبلوماسية التونسية تستعيد عافيتها بعد أن “تورطت” في السنوات الاولى التي تلت الثورة في مواقف غير محسوبة خاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع دول الجوار وبعض الدول العربية، ولا ينفي ذلك ان البلاد مازالت مدعوة الى بذل المزيد من الجهود لتحسين علاقاتها الخارجية والقطع مع الأداء “المرتبك”، الذي غلب على بعض مواقفها خلال السنوات الأخيرة.
وشهدت تونس مؤخرا، حراكاً سياسياً ودبلوماسياً غير مسبوق، إذ استقبلت ثلاثة رؤساء حكومات خلال الأسبوع الحالي، مباشرة بعد نهاية زيارة نائب وزير الخارجية الأميركي، جون سوليفان، هذا وتراهن البلاد على توسيع علاقاتها لجلب الاستثمار وتطوير الاقتصاد والرقيّ به في ظرف إقليمي ودولي متحوّل، من خلال العمل على ما يعرف بالديبلوماسية الاقتصادية حيث أقرّ رئيس الحكومة أَثْناء التحوير الوزاري في شهر سبتمبر الفارط كتابة دولة مكلّفة بالدبلوماسية الاقتصادية على رأسها حاتم الفرجاني.
ويؤكد ديبلوماسيون أن السلطات الرسمية في تونس تنتظر أن تتضح الصورة في الأزمات (في سوريا وليبيا) لتتخذ مواقفها وقراراتها بطريقة تناسب سياسات الدولة وتوجهاتها العامة في الشأن الدبلوماسي.