المدارس والمعاهد في تونس .. “أوكار” يعشّش فيها مستهلكو ومروجو المخدرات

استفحلت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة استهلاك المخدرات بمختلف أنواعها في صفوف الشباب التونسي بشكل ملفت لتخلّف أرقاما مهولة للمستهلكين والمروجين على حدّ سواء.
و انتشر استهلاك المواد المخدرة في صفوف الشباب بعمر الدراسة، وأصبحت ظاهرة بالإمكان ملاحظتها في الجامعات والمعاهد الثانوية والمدارس الإعدادية بين الذكور والإناث؛ وجوه يظهر عليها تعب الاستهلاك وحتى علامات الإدمان، والتقارير الأمنية تؤكد بشكل يومي ضبط بعض المدمنين أو حتى المروجين أمام المؤسسات التعليمية.
وتبلغ نسبة تعاطي المخدرات والزطلة في تونس قرابة 30 بالمئة بين الفئات العمرية من 23 إلى 35 سنة، أي ما يعادل مليون مستهلك.
وتمثل الفئـة بين 13 و18 سنة حوالي 57 بالمئة من المستهلكين في شريحة الشباب، وتقلّ نسبة التعاطي تدريجيا بين الفئات الأكبر سنّا.
وتشير الإحصائيات المتعلقة باستهلاك المخدرات في المعاهد والمدارس التونسية إلى استفحال الظاهرة، إذ يتعاطى نحو 50 في المئة من التلاميذ مواد مخدرة في المحيط المدرسي.
وكان الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي لسعد اليعقوبي قد صرح بأن نحو نصف تلاميذ تونس يتعاطون مواد مخدرة، وقدّر نسبة المدمنين بينهم بنحو 15 في المئة.
وفي هذا الإطار، أكد الخبير الأمني مازن الشريف، إن عملية استدراج المدمنين تتم في المدارس والمعاهد والجامعات، وصولا إلى الملاهي الليلية ويتمّ استخدام الفتيات للعمل سواء للترويج والتوزيع أو الاستقطاب، قبل أن يتحوّلن بدورهن إلى ضحايا للإدمان.
وأضاف، أن تونس أصبحت جزءا من المافيا العالمية حيث يتم تهريب المخدرات في الشوكولاتة والأدوية وغيرها من السلع.
ومن جانبه، أوضح الكاتب العام المساعد لنقابة قوات الأمن رياض الرزقي أن أنواع المخدرات الأكثر انتشارا في الوسط المدرسي، تتمثل في الحشيش وحبات الاكستازي والكبتاغون وغيرها من المواد.
و تابع الرزقي القول أن الحبوب المخدرة تسهم بدرجة عالية في رفع الجريمة في البلاد، على اعتبار تأثيراتها النفسية الكبرى على من يتعاطاها.
وأضاف أن هذه المواد المخدرة تفقد الإنسان سيطرته على نفسه، وتحرّره من الإحساس بالخوف، فيندفع لارتكاب جرائم بشعة، وهذا ما يفسر رواجها على نطاق واسع لدى التنظيمات المتطرفة.
وكان مجلس نواب الشعب قد صادق في شهر أفريل الماضي على تنقيح الفصل القانوني 52 المثير للجدل والذي يسمح بتخفيف العقوبات الموجهة ضد مستهلكي القنب الهندي أو ما يعرف بـ”الزطلة”.
ويتيح التنقيح الجديد للقضاة الاجتهاد لتخفيف الأحكام السجنية ضد المتهمين بالاستهلاك لأول مرة خاصة، مع الأخذ بعين الاعتبار الحالات الاجتماعية .
وفي هذا الصدد، أشارت رئيسة ديوان وزيرة شؤون المرأة التونسية سنية بن سعيدة إلى أن أسباب تفاقم الظاهرة بعد الثورة تتمثل خصوصا في انتشار مظاهر الفقر والتخلف والتهميش والتفكك الأسري وانعدام الرقابة الأسرية إلى جانب الضغوط النفسية نتيجة الفشل والإحباط أو الشعور بالنقص والانقطاع المبكر عن الدراسة.
كما أكدت سنية بن سعيدة أن مجال مقاومة ظاهرة الإدمان على المخدرات يشهد عدة نقائص، من ذلك عدم وجود خطة وطنية شاملة لمقاومة هذه الظاهرة وعدم ملاءمة القوانين لخصوصية الإدمان إلى جانب انعدام الإمكانيات اللازمة لإرساء مجتمع مدني يعمل على نشر الوعي والإحاطة والوقاية من خطر استفحال هذه الظاهرة.
وعن الحلول الناجعة لمواجهة هذه الظاهرة ، شدّد الدكتور والباحث في علم الاجتماع الطيب الطويلي على أن “التوعية في المدارس وعلى المستوى الإعلامي تعتبر من أهم الحلول، حيث يجب تصوير المخدرات في شكلها الحقيقي المتمثل في كونها آفةً فتاكةً تفتك بالفرد وبالمجتمع، وليس كما ينظر الشاب إلى “الزطلة” على أنها منشط حيوي، تزيد من ثقة الفرد بنفسه، وتحسِّن من الوظائف الفكرية والجسدية”.
وأشار إلى أن “دور مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، التوعية بأن نظرة الشاب الوردية إلى المخدر هي نظرة مغلوطة وواهمة”.
ومن أجل الحد من ظاهرة تعاطي المخدرات، يرى الباحث أنه “لا بد من تحسين العيش اليومي للشباب، وإيجاد فرص للعمل حتى يلتهي فيها الشاب ويجد لنفسه وحياته معنىً، وتكون له تفاعلات وعلاقات مع مختلف الأنساق الاجتماعية، فيكون للشاب حياته الاجتماعية التي تسرّه، ولا يكون مضطراً إلى البحث عن مخدر ينقله من حياته الاجتماعية المعطوبة إلى حياة أخرى، و يكون بوابته من الأرض التي تسوقه إلى السماء”.