أكثر من 21 مليار دينار قيمة التداين الأسري

ما انفكت القدرة الشرائية للتونسي تتدهور نتيجة اتساع المنظومة الاستهلاكية للأسر وارتفاع الأسعار ومحدودية الأجور وتزايد المصاريف مما ولّد اختلالا في التوازن بين المنظومة الاستهلاكية المعروضة والقدرة الشرائية للمستهلك ؛ و هو من أهم الأسباب التي تفسر لجوء عدد كبير من الأسر التونسية إلى التداين والاقتراض البنكي حيث بلغ التداين الأسري أرقاما خيالية .
و قد أظهرت دراسات حديثة أن راتب الموظف التونسي لا يكفي لتغطية مصاريف ثمانية أيام في الشهر مما يعني أنه يكمل نفقات باقي أيام الشهر بالتداين، ويعود ذلك إلى تتالي المناسبات والمواسم والأعياد التي تعيشها الأسر التونسية بالإضافة إلى غلاء المعيشة وتراجع نسب الادخار.
و قد شهد مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي ارتفاعا ملحوظا، وأصبح اليوم في حدود 5,5 % وفقا لما أكده مدير عام المعهد الوطني للإستهلاك طارق بن جازية.
وأكد بن جازية أنّ هذا الرقم يُعتبر مرتفعا مقارنة بالسنوات الماضية، حيث لم يكن ليتجاوز 3 بالمائة، ويعود هذا التطور إلى الإرتفاع المسجل في عدد هام من أسعار المواد الغذائية والخدمات.
وأشار إلى أنّ تراجع سعر صرف الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية ورفع الدعم عن السكر الموجه للصناعيين والحرفيين والزيادة في أسعار المحروقات أثرت على كلفة الإنتاج، ووقع تحميلها على بعض المنتجات حيث تمت الزيادة في أسعار المشروبات الغازية والحلويات والترفيع في فواتير الكهرباء والغاز والماء ومختلف الخدمات …
ولاحظ بن جازية، أنّ التونسي ” لا يملك سياسة ترشيد الاستهلاك أو المقاطعة” مضيفا انه رغم التشكي من غلاء الأسعار فان المحرك الوحيد الذي بقي ينشط في تونس هو محرك الاستهلاك وفق تعبيره.
وقال إن نسبة الاستهلاك تجاوزت نسق النمو وهو ما يعكس وجود خلل في المنظومة الاقتصادية التونسية.
وإجمالا، فقد اعتبر مدير المعهد أنّ تراجع المقدرة الشرائية دفعت بالمواطن الى التداين والاقتراض من البنوك قائلا :” التداين اضطرارا لا اختيارا”.
وأفاد ان السياسات العمومية والقطاعية، تُعتبر من الأسباب الرئيسية لتراجع المقدرة الشرائية، فمثلا فشل السياسيات وتردي خدمات النقل العمومي وما يعانيه من اكتظاظ وعدم احترام التوقيت أدى الى لجوء المواطن الى التداين والاقتراض لإقتناء سيارة خاصة، وحسب الوكالة الفنية للنقل البري فإنّه يتمّ سنويا تسجيل حوالي 70 ألف سيارة جديدة، كما أن نسق توريد السيارات لم يتراجع وهو اليوم في حدود 50 الف سيارة سنويا.
وفي سياق آخر، قال مدير المعهد الوطني للاستهلاك، انّ البحث عن جودة التعليم أدى الى تزايد الاقبال على المدارس الخاصة، والتي ارتفع عددها من 102 مدرسة سنة 2010 الى 401 مدرسة خاصة سنة 2017. كما ارتفع عدد التلاميذ 21 ألف سنة 2011 الى نحو 70 الف تلميذ خلال السنة الدراسة الماضية.
كما سجل عدد الجامعات الخاصة ارتفاعا ملحوظا، من 22 جامعة سنة 2007 إلى 61 جامعة خاصة سنة 2016. وقال بن جازية ان كلفة التلميذ الواحد في المدرسة الخاصة تتراوح بين 300 و550 دينار شهريا في حين كلفة الطالب الواحد في مؤسسات التعليم العالي الخاص تتجاوز 5 آلاف دينار سنويا.
وأشار الى تدني مستوى الخدمات المقدمة في المجال الصحي اثرت على المقدرة الشرائية للمواطن، ذلك ان النفقات الصحية تمثل اليوم 5,6 بالمائة من ميزانية الاسر التونسية.
وفي ما يتعلق بالسكن، أكد بن جازية ان نفقات الايجار وخلاص القروض السكنية والمعاليم البلدية تمثل 27 بالمائة من ميزانية الاسر بما من شأنه ان يؤثر سلبا على المقدرة الشرائية للمواطن.
وأشار الى ان اجمالي قائم قروض التونسيين الى غاية شهر جوان الماضي، بلغ 21,6 مليار دينار منها 9 مليار دينار قروض سكنية.
وبسبب غلاء المعيشة، نجد ان حجم ديون التونسيين لدى البنوك حسب ما يعرف بمنظومة “الروج” بلغ 5 مليار دينار إلى غاية شهر جوان 2017، وفقا لما أكده بن جازية.
وأشار إلى أن التونسي عندما يشعر بالحرمان يلتجئ إلى التداين والاقتراض. في المقابل، رأى بن جازية أنّ نسب النمو الاقتصادي، المسجلة منذ سنة 2011 في تونس ورغم تواضعها، مردّها محرك الاستهلاك في ظل تعطل محركي الاستثمار والتصدير.
ولفت بن جازية إلى أنه انتشرت في تونس ظواهر جديدة للتداين خرجت من دائرة البنوك لتتعدد مصادره على غرار الاقتراض من الصناديق الاجتماعية والصناديق الاجتماعية صلب مؤسسات العمل.
كما يلجأ التونسي إلى القيام بمشتريات بالتقسيط من الفضاءات والمساحات التجارية الكبرى فيما يتواصل الاقتراض من الأقارب والأصدقاء، مع استمرار اعتماد كنش القروض من محلات العطارة لا سيما في الجهات الداخلية.
وفي سبيل تحسين جودة المعلومات والمعطيات حول ظاهرة التداين الأسري، اقترح بن جازية على المصالح المختصة بالبنك المركزي التونسي تجميع المعطيات حول التداين على مستوى مركزية المخاطر بالبنك وأساسا في ما يهم البيوعات بالتقسيط والقروض من الصناديق الاجتماعية والتسهيلات البنكية من خلال السحب على المكشوف.
وأكد خبراء أنّه نتيجة لكثرة التداين فإن الأسر قد تصل إلى مرحلة تعجز فيها عن تسديد ديونها، ويمكن أن يصل التّونسي إلى وضعيّة مترديّة من تدهور المقدرة الشرائية.