المؤشرات الاقتصادية والمالية تحيل إلى سنة قادمة “عسيرة”

تمرّ البلاد بوضع جدّ حساس على مستوى وضعها الاقتصادي والمالي، في ظلّ تراجع إيرادات عديد القطاعات التي تعتمد عليها البلاد، و الانخفاض المستمر في قيمة الدينار أمام العملات الرئيسية، فضلا عن اتّساع هوة عجزها التجاري، مما تسبب في انحدار القدرة الشرائية للتونسيين أكثر فأكثر .
وأمام ما تتعرّض إليه الحكومة من ضغوطات من المقرضين الدوليين لتسريع الإصلاحات من أجل تقليص هوة العجز الذي تعيشه ميزانية الدولة إلى 4.9 في المئة في العام المقبل ، تتأهب تونس لتدشين حزمة إصلاحات “موجعة” و غير مسبوقة، وهو ما عمّق أزمة المواطن التونسي.
و يُجمع الخبراء الاقتصاديون على مدى حساسية وخطورة المرحلة القادمة التي ستعايشها البلاد ، بين ما يفرضه الواقع المالي والاقتصادي ، وما يسلطه عليها مقرضوها الدوليون من ضغوط.
و في خضم هذا الشأن، حذّر الخبير الاقتصادي مراد الحطّاب من مواصلة انزلاق قيمة الدينار التونسي في الأيام المقبلة مرجحا ان يصل سعر صرف الدولار الى حدود 2.87 دينار فيما يبلغ سعر صرف الاورو 3.3 دنانير.
واعبر الحطاب في تصريح إعلامي السبت 2 ديسمبر 2017 أن الوضعية أصبحت مفزعة مؤكدا أن التداعيات ستكون رهيبة “على فاتورة الطاقة وأنه سيصعب سداد ديون البلاد لارتفاع نسبة الفوائض وتقلص حجم الاستثمار.”
وأكّد الخبير أن الارقام التي يتمّ تداولها والمتعلّقة بالاستثمار غير صحيحة معلّلا ذلك بانه لا يمكن تقييم الاستثمار بالدينار بل بالعملة الصعبة لافتا الى أن القول بتطوّر الاستثمار ب 11 % لا يعكس تطوّرا في المشاريع الاستثمارية بالبلاد وانما هو ناتج عن ارتفاع نسبة التضخّم.
وأشار الحطّاب إلى أنه سيكون لتراجع قيمة الدينار تأثير مباشر وخطير على معيشة المواطن مفسرا ذلك بان حوالي 70% من واردات تونس هي واردات استهلاكية وكذلك على النسيج الصناعي الذي قال انه يخسر شهريا 1% من قدرته الانتاجية الى جانب التاثير على الزيادة في الأسعار التي اشار الى انها شهدت منذ 3 أشهر زيادة ب 1 % شهريا.
وتوقّع ان ترتفع الأسعار في غضون السنة القادمة بنسبة 13.2 % ملاحظا انه إذا تواصل تراجع قيمة الدينار فان ارتفاع الأسعار سيبلغ 15 % مبينا أن ذلك سيحطم القدرة الشرائية للمواطن تحطيما تاما.
ومن جهته، أكّد الخبير الاقتصادي محسن حسن أن سنة 2018 ستكون وفق كل المؤشرات سنة صعبة على كل المستويات.
و عن السبب الذي حال دون اجراء حوار عميق بخصوص مشروع قانون مالية 2018 قبل احالته على البرلمان الذي طرح تنقيحات بالجملة في جل فصوله، اعتبر محسن حسن، في حوار مع الصباح ، أنه «لا بدّ من الاشارة إلى أن قانون المالية لسنة 2018 يتم في ظرف اقتصادي ومالي صعب جدّا، وبنمو يقدّر بـ1.7 بالمائة لا غير رغم التحسّن الطفيف في 2017، وكذلك في ظرف اختلال كبير في ميزانية الدولة بـ6.1 بالمائة وكذلك في ظرف تفاقم عجز الميزان التجاري والذي من المتوقّع أن يصل الى 15 مليار دينار مع نهاية 2017، مقابل 12.6 مليار دينار في 2016.
كما أن تراجع الموجودات من العملة الصعبة والتي بلغت 92 يوما فقط من التوريد، زادت في صعوبة الوضع الى جانب الضغوطات المتواصلة على ميزان الدفوعات حيث بلغت نسبة المديونية 73 بالمائة من الناتج المحلّي الاجمالي وتراجع قيمة الدينار من 14 جانفي 2011 الى جويلية الماضية بنسبة 75 بالمائة مقابل بالدولار و45 بالمائة مقابل الأورو وهو ما يعني مزيدا من تراجع المقدرة الشرائية وتراجع مؤشر التنافسية وهو ما يؤدّي آليا الى صعوبات كبيرة ستواجهها المالية العمومية والمتزامنة مع نسبة بطالة بلغت 15 بالمائة وارتفاع نسب التضخّم، وهذه الوضعية أو هذا التزامن يعدّ من أسوإ الوضعيات الاقتصادية.
هذا ويرى محسن حسن «أن توقّع تحقيق نمو في حدود 3 بالمائة هو هدف قابل للتحقيق بشرط توفّر استقرار أمني وسياسي و اجتماعي ، بيد أنه استدرك أن تقليص العجز من 6.1 بالمائة في 2017 الى 4.9 بالمائة سنة 2018 هو هدف غير قابل للتحقيق وأتوقّع أن يستمر العجز في حدود أكثر من 5 بالمائة للسنتين القادمتين على الأقل».
وفي السياق ذاته، اعتبر الخبير الاقتصادي أن الخروج من الازمة يقتضي أساسا الترفيع في الاستثمارات العمومية رغم العجز في ميزانية الدولة، لأنه كان يمكن القبول بهذا العجز لو كان توجّه للترفيع في الاستثمارات العمومية في اطار برنامج وطني للاستثمارات العمومية الذي كان في 2017 أقل من 2016، وذلك من خلال تفعيل آلية الشراكة بين القطاع الخاصّ والقطاع العمومي والتي لم تتجاوز 500 مليون دينار في حين أنّي أعتقد أن هذه الآلية قادرة على انجاز استثمارات في حدود 3000 مليون دينار وذلك بإنجاز أشغال تتعلّق بالبنية التحتية والمستشفيات وغيرها من المشاريع الاستثمارية الكبرى.