هل تونس جاهزة للّامركزية وللحكم المحلي؟

يراهن غالبية التونسيين وخاصة أهالي الجهات الداخلية على الانتخابات البلدية لتركيز مؤسسات حكم محلي حقيقية تمكنهم من المشاركة في إدارة شؤونهم بأنفسهم وتخفف من وطأة السلطة المركزية، اعتبارا لأن هذا الاستحقاق البلدي أحد أعمدة الارتكاز لسلطة الشعب.

ويعتبر هذا الرهان رسالة حقيقة موجهة للخارج قبل الداخل، تثبت ما إذا كانت البلاد في طريق المعافاة، والخروج نهائيا من الحدود الفاصلة بين الاستبداد والديكتاتورية، أو الفشل التام، ويرى مختصون أن شروط استكمال هذا المسار الانتخابي لم تكتمل بعد، ما يهدد بإمكانية تأجيلها مرة أخرى، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدم جاهزية الجهات الداخلية في احتضام اللامركزية لغياب تقسيم إداري متكافئ، وغياب عدد كبير من الادارات الجهوية الممثلة للوزارات فيها.

هذه الصعوبات أقرت بها عدة أطراف، منهم ممثلو الحكومة أنفسهم، حيث أقر وزير الشؤون المحلية والبيئة رياض الموخّر امام مجلس نواب الشّعب، بأن إرساء اللامركزية مسار صعب ومعقد، ومن أبرز صعوباته، مدى توفر الموارد البشرية اللازمة لعمل الجماعات المحلية.

وأضاف أن الامر لن يقتصر فقط على المجالس البلدية او الجهوية التي سيقع انتخابها بل سيتطلب توفير اطارات واعوان اضافية للتنفيذ الميداني والاداري والمالي نظرا لاتساع رقعة الصلاحيات الجديدة التي ستنضاف لعمل هذه الجماعات المحلية.

أما الناطق الرسمي باسم المعهد العربي لرؤساء المؤسسات مجدي حسن، يرى أن اللامركزية تتطلب تغييرا هيكليا وعقلية متطورة من المسؤولين والمؤسسات’ حسب تعبيره يوم الخميس 30 نوفمبر 2017.

وأضاف حسن لدى حضوره في برنامج حواري بقناة نسمة أن الأيام التي ينظمها المعهد تأتي في اطار حسن تنفيذ اللامركزية في علاقتها بالاقتصاد لخلق ”ديناميكية وفرص” لاستشراف المستقبل وتحقيق النظرة الجديدة لوضع سياسات اقتصادية جهوية ووطنية”.

وأشار إلى أن اللامركزية تعني التنافس بين الجهات، مؤكدا أن المعهد سيصدر خلال أيام المؤسسة، تصنيفا للجهات في مستوى استقطاب الاستثمارات وهو تصنيف يتناول 24 ولاية.

وبخصوص عوائق تنفيذ اللامركزية، قال مجدي حسن إن العوائق يجب تفاديها بـ ” توفير الاستثمارات اللازمة وضمان المناخ الاستثماري الملائم مع تحديد السياسات القطاعية والنظرة الاقتصادية المميزة لكل جهة”.

كما لفت إلى أنه يجب الاخذ في الاعتبار ”محيط المؤسسة” في تنفيذ الاستراتيجية الملائمة لاقامة المشاريع في الجهات، مع ضمان الربح للمستثمر وتشجيعه، معتبرا أن كلفة تنفيذ اللامركزية باهضة وتدوم مدة طويلة لضمان عائداتها، مستشهدا بالدول المتقدمة على غرار كوستاريكا والفيلبين الذين يشاركان في أيام المؤسسة الذي ينظمة المركز العربي لرؤساء المؤسسات.

من جهته، اكد المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي في تصريح للـ”شاهد”، “أننا إذا انطلقنا من التساؤل، هل توفرت كل شروط الانتقال الى تجربة الحكم المحلي واللامركزية، الجديدة فإن الجواب حتما لا، لافتا إلى أن عدم توفر كل الشروط لا يمنع من اهمية خوض هذه التجربة الجديدة، بالتالي وضع الاليات الأساسية التي ستساعد المواطنين ويهيئهم الى ممارسة جزء أساسي من السلطة وإدارة الشأن المحلي بشكل ديمقراطي.

وأشار الجورشي الى أن إجراء الانتخابات المحلية ليعود الى ثلاثة ركائز رئيسية لا بد من توفرها، أولا على المستوى التشريعي، “ولا بدا في هذا الشأن من حسم النقاش حول مفهوم السلطة المحلية وصلاحياتها، خاصة أن الأحزاب الرئيسية في البلاد حاولت التقليص من صلاحياتها بحجة إبقاء هذه المناطق تحت السلطة المركزية في محاولة ان لا تتحول الى سلط مستقلة نسبيا.

وعلى مستوى ثان يتمثل حسب الجورشي في التربية السياسية والمدنية، التي يجب ارساؤها من خلال نشاط منظمات المجتمع المدني التي عليها ان تعود الشعب على استيعاب مسألة الحكم المحلي وأهميته.

ويضيف أنه على الاحزاب السياسية في مستوى ثالث، أن لا تفكر في السيطرة والهيمنة على أكثر ما يمكن من البلديات والمجالس المحلية، لأن ذلك من شأنه أن ينقل الصراعات والإشكاليات التي تعيشها التجربة الحزبية الى المستوى المحلي مما سيؤثر سلبا على مشاركة الفعاليات المحلية التي سترتكز عليها التجربة الجديدة.

وحول التقسيم الاداري غير العادل، وغياب بعض الادارات الجهوية الممثلة للوزارات في عدد من الجهات، قال محدث “الشاهد”، إن ذلك سيؤثر نسبيا لكنه ليس حاجزا كبيرا أمام إجراء الانتخابات البلدية، ولا يجب اتخاذه كمبرر لمواصلة عملية تأجيلها، لافتا الى أن توفر الرغبة السياسية عامل مهم جدا وأنها لو توفرت لتمت معالجة الكثير من العوائق الادارية.

ويعد الاستحقاق الانتخابي البلدي سواء بالنسبة للأحزاب السياسية أو بالنسبة للرأي العام مفصلا تاريخيا لكونه أول استحقاق منذ خمس سنوات، وأيضا لكونه يمثل الخطوة الأولى التي ستضع مسار الانتقال الديمقراطي على محك الاختبار الشعبي للأحزاب وعلى مدى قدرتها في التعاطي مع المعضلات التنموية التي تواجهها الجهات المحرومة.