“النهضة”

لا تكاد تتحرّك الحياة الوطنيّة خطوة إيجابيّة إلى الأمام حتّى تُعيدها الى الخلف أسئلة مرتبطة ارتباطا وثيقا وملغوما بحركة النهضة، اسئلة عن الهويّة، عن المنطلقات الفكريّة والإيديولوجيّة، عن الأهداف، عن الارتباطات المحليّة والإقليمية والدولية، عن جديّة التحوّل إلى حزب مدني يقطعُ مع الخلفيّة الدينية التي طبعت الجزء الأكبر من تاريخها منذ الجماعة الإسلاميّة والاتجاه الإسلامي.

وكانت هذه الأسئلة متواترة منذ عقود قديمة سابقة ورافقت بلادنا طيلة حكمي الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي: أي موقع لهذه الحركة في المشهد السياسي؟ ما أفق قبول مختلف الفاعلين السياسيّين بوجودها وما صدقيّة توجّهاتها المعلنة ومواقفها الصادرة في بلاغاتها وبياناتها ووثائق مؤتمراتها.

الأسئلة الحارقة التي تُلازم حركة النهضة تكاد تكون واحدة منذ ثمانينيات القرن الماضي وهي في اتهامها بتوظيف الدين في السياسة والتعويل على الخطاب المزدوج، بل إنّها ازدادت خطورة بوصمها منذ مطلع التسعينات بالتطرّف والإرهاب والدمويّة والمناهج الانقلابيّة ابّان المواجهة مع نظام بن علي.

لا ينقطع سياق الجدل الأيديولوجي ورغبات التموقع من مناهضي النهضة عن كيل الاتهام وراء الاتهام والصاق التهمة خلف الأخرى، إلى الدرجة التي يعمى فيها البصر ويتوهُ فيها السامع عن معرفة الحقيقة من عدمها، فالنهضة وراء تفشي الإرهاب صانعة لأمن مواز، وهي الحاضنة لفلول التطرّف والتشدُّد والواقفة خلف شبكات التسفير الى بؤر التوتّر ومراكب الموت وقوافل المهربين وعصابات المخدرات وجماعات الفساد والجريمة المنظمة، وهي السبب في تعطيل عجلة الاقتصاد وهي المسؤولة عن ما يضرب موازنات الدولة من مؤشرات تراجع وهي المعطِّلة للتنمية في الجهات وهي السرطان الذي أنهك النسيج المجتمعي وهدّم القيم المجتمعيّة وهي المهدّدة لنمط المجتمع التونسي المعتدل والمتسامح…وهي أيضا التي كانت وراء إسقاط نظام بن علي وقيام الثورة بتحالفات مشبوهة من اطراف خارجية ووفق اجندة صهيو-أمريكية لتفكيك أوصال الأمة العربية وهي المخترقة لأجهزة الدولة التونسيّة وهي المتحكّمة في مفاصل الحكم إلى الحد الذي بات فيه رئيس الجمهورية والحزب الأغلبي ورئيس الحكومة منفذين لتوجهاتها خادمين لأجنداتها التخريبية والتدميريّة.

هل النهضة فعلا وواقعا هي كلّ هذا الكم من المتناقضات وهذا الكم من العجائب والغرائب؟

لمّا تسمع منافسي النهضة، وكأنّك تستمع إلى شيء هُلامي او أقرب الى الشيء المتخيّل أو الافتراضي حول حركة ممتدة متغلغلة في كلّ شيء ومخترقة الدولة والمجتمع، متدخلة في كل ما يحدث من ثقافة وسياسة وفكر واقتصاد، وهي بهذه القوّة وهذا الامتداد تفعلُ بنفسها ما يفعله الجاهل بنفسه، تحطّم وتخرّب وتُعرقل الاصلاحات وتدفع البلاد الى المزيد من الاحتقان والمزيد من الأزمات والمطبّات.

للأسف، يُواصل جزء هام من نخبتنا، وأساسا من الذين يرتدون عباءة الحداثة والتنوير ومن العائلة اليسارية، الإمعان في تلطيخ الصورة ومزيد تشويشها وطبعها بالمزيد من الضبابيّة، ولن يستقيم حال البلاد ولن يتحقّق تطوّر في أي مجال والمسار على ما هو عليه من سعي عبثي لنكران واقع يُثبتُ من يوم إلى آخر انّ النهضة باتت رقما صعبا، ان لم يكن الاصعب، في المعادلات العامة في بلادنا على جميع المستويات حاضرا ومستقبلا.

أليس من الأجدى الاذعان الى حقائق ملموسة والإقرار بمعطيات لا يرقاها أي تشكيك، بل أليس من الأفضل والانفع لبلادنا تطليق هذه النعرات الايديولوجيّة الحاقدة وفتح السبيل لمشهد وطني يعكس الوقائع والأحجام ويكون قادرًا على منح الناس فرصة للفرز الموضوعي العقلاني لا العاطفي الانفعالي المغشوش، مشهد يعزز المشتركات الكبرى بين أحزابنا ونخبتنا جميعا ويُساعد صنّاع القرار على تبيان سُبل الإنقاذ والخلاص؟

نعم، مشكلة البلاد هي هذه، هي حركة النهضة، فالمعطلات الاقتصاديّة والتنمويّة والاجتماعية وغياب المنجزات مصدرها أنّ جزءا مهما من النخبة والسياسيّين، ممن لهم دور مهم ومحوري في رسم خيارات البلاد وتوجّهاتها الكبرى، يعملون على رسم صورة خاطئة مركزها انّ سبب البلاء في البلاد مصدره طرف وحيد هو حركة النهضة، وهذا خطأ في قراءة الواقع على انّه أيضا انحراف معرفي خطير كونه يتعارض مع أساس جوهري في فهم حياتنا المعاصرة وهو انّ الواقع أضحى نظاما مُركّبا مُلغزا وعلى غاية من التعقيد والتشابك الى الدرجة التي اصبح من غير الممكن تفسير ظاهرة مّا بسبب وحيد او ربطها بعلّة مفردة، فكيف نصرّ اصرارا على انّ مكوّنا وحيدا من حياتنا يتلاعب بكلّ مصائرنا ويُوقعنا في كلّ هذا الخراب والفوضى ويحدِّد لنا كلّ هذه الافاق السوداء والمظلمة؟

هذا خطاب مؤدلج تائه يُخفي نوعا من العبثيّة والإفلاس واستجلابا للمزيد من الخيبات والانكسارات والانغماس في السلبيّات، على قاعدة مثلنا الشعبي “معيزٌ ولو طارت”.

خالد الحدّاد