مقاطعة مادة الزقوقو هذا الموسم شهدت نجاحا منقطع النظير

توافدت على ثقافة التونسي بعد الثورة عدة عبارات لم تكن في قاموسه، منها عبارة “المقاطعة”، التي تحولت بفعل عدم استجابة التونسي لها الى ثقافة، وجب ان تدخل ضمن ممارساته، كردة فعل حضارية حول غلاء بعض المنتوجات وعجز الحكومة عن ايجاد حل.
هذا السلوك الراقي تفطنت له عقول الغرب وفرضوا من خلاله نظرياتهم ومواقفهم على أباطرة المال و الأعمال وهي واحدة من أهم الأسلحة السلمية الموجهة لكل من يحاول إحتكار سلعة في السوق أو الترفيع في ثمنها دون سبب، لكنها لم تستطع أن تجد لها مكان ضمن ثقافة الشعب التونسي، بسبب ما اعتبره مختصون اجتماعيون “ثقافة اللهفة والاقبال الجنوني على الاستهلاك والتعامل مع الشراءات بمنطق المظاهر الخارجية، المتغلغلة بين صفوف المستهلكين التونسيين.
ويذهب علماء الاجتماع والنفس إلى القول أن الأمر يتعلق بسلوك فردي تتحكم فيه عدة عوامل اجتماعية ونفسية ولا بد من مزيد تأطير هذا السلوك لدى جميع المواطنين.
وأثبتت كل التجارب السابقة ان التونسي يقاطع تماما ثقافة المقاطعة، وأنها تبدو سلوكا صعب التنفيذ حتى بالنسبة لمحدودي الامكانيات المادية، رغم أن منظمة الدفاع عن المستهلك حاولت مرارا ارساءها بعد الثورة.
كما اثبتت التجربة بتونس في أكثر من مناسبة استهلاكية موسمية (رمضان – العيد – المولد – رأس السنة ..) ان هؤلاء يكونوا من أول المتدافعين والواقفين في الطوابير للحصول على نصيبهم من شراء منتوج مرتفع الثمن والمهم بالنسبة إليهم هو تحقيق رغبات العائلة والابناء.
ويفسر مختصون ذلك بصعوبة إيجاد توافق بين الميسورين وفقراء الحال حول المقاطعة أي ان الميسورين قد لا يستجيبون بسرعة لدعوات المقاطعة بحكم توفر الأموال اللازمة لديهم لشراء أي منتوج استهلاكي مهما ارتفع ثمنه، في حين تكون استجابة صاحب الامكانيات المادية المتواضعة لدعوة المقاطعة سهلة.
كما ان سلوك حب الذات وعدم النظر إلى حاجة الغير (أو ما يُعرف في الأوساط الشعبية بالمثل الشعبي القائل “روحي روحي”) ما زال سلوكا مسيطرا على عقليات كثير من التونسيين، بما قد لا يشجع على ارساء ثقافة المقاطعة.
وككل موسم، عند اقتراب موعد حلول المولد النبوي الشريف، تتعالى الدعوات الى مقاطعة الأكلة التونسية “عصيدة الزقوقو” التي اعتاد التونسيين على تحضيرها في مثل هذه المناسبة، نظرًا للارتفاع القياسي في أسعار مادّة الزقوقو أو الصّنوبر الحلبي، حيث بلغت سقف 35 دينار (14 دولارًا) أي أكثر من أربعة أضعاف الثمن في الأيام العادية، وهو ما جعل المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك تدعو لحملة لمقاطعته.

ويُتوقع أن يستجيب لها عديد التونسيين الذين يعانون أصلاً من ضعف القدرة الشرائية على ضوء الأزمة الاقتصادية في البلاد، بسبب بلوغ أسعارها لهذا الموسم ارتفاعا قياسيا حيث باتت تكلفة “عصيدة الزقوقو”مع المكسرات بالنسبة لعائلة صغيرة جدًا تتجاوز كلفتها 100 دينار (40 دولارًا).

وأكد رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك سليم سعد الله في تصريح خاص لـ”الشاهد”، أن دعواتها الى مقاطعة مادة “الزقوقو”، تشهد هذا الموسم نجاحا خارقا للعادة، وتفاعلا منقطع النظير من قبل المستهلكين.

واعتبر سعد الله استجابة المستهلكين الى دعوات المقاطعة، درسا للمحتكرين ومن لا يقدّرون السمتهلك وظروفه، الذين يفسدون فرحة التونسيين في كل المناسبات بالترفيع في الاسعار.

وأكد محدث “الشاهد”، أن بعض نقاط البيع سجلت تراجعا كبيرا لأسعار مادة الزقوقو من 28 د الى 14 د، مشيرا إلى أن منتجي مادة الزقوقو هم من العائلات ضعيفة الحال يبيعونها بأسعار لا تتجاوز 6 دينارات، ولا يجوز ان تصل قفة المواطن بـ 28 د و30د.

وأشار رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك الى أن ثقافة الدفاع عن المستهلك بدأت فعليا في تونس منذ 2013، وهي ثقافة غربية هدفها الضغط على المحتكرين لمراجعة الاسعار، وأنها بدأت اليوم تترسخ شيئا فشيئا في سلوك التونسيين، حتى أن نسبة المقاطعة لهذا الموسم وصلت في بعض الاماكن الى 70%.