الخطاب السلبي يهدد نجاح التجربة التونسية سياسيا واقتصاديا

جزء كبير من أزمة تونس الخانقة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية او السياسية سببها الخطاب السياسي السلبي الذي تتوجه به النخبة خاصة منها أحزاب المعارضة للرأي العام التونسي، والذي يقوم في مجمله على تردّي لغة الحوار السياسي واعتماده منهجا إقصائيا لا يرى من خلاله إلا نصف الحقيقة.
خطاب المعارضة يقوم على تمسكها سياسييها غالبا بصحة ورجاحة ما يقولون، وعلى اعتبار الآخر عدوا وأطروحته دائما مرفوضة دون التثبت فيها، او في معانيها، وأهدافها، أو الظروف التي حتّمتها.
وتدمن الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي خطاب التسويف الذي مله التونسي، وأصبح مفعوله عكسي، يشحن الأوضاع ويساهم في تردّي الخطاب السياسي بصفة عامة، فضلا عن نزعتها المتزايدة نحو حل التجاذبات السياسية التي أربكت عملها وجعلت رسائلها تحيد عن دورها الرئيسي.
وتقول المعادلة المنطقية أن وعي السياسيين ينتج اليا خطابا سياسيا راقيا خال من المشاحنات، يمكنه أن يكسب ثقة التونسيين في مقام أول ثم الاطراف الدولية والاقليمية التي تراقب الشأن التونسي، ولكانت بذلك الأحزاب السياسية وفرت ظروفا أفضل لمساعدة تونس على تخطي الازمات المتتالية التي تسببت فيها خطاباتها بدل الصورة القاتمة التي ترسمها للبلد.
هذا الخطاب السياسي لم يقتصر على الاحزاب السياسية التونسية، التي تلهث وراء المناصب، وتسعى الى الفوز باكبر عدد ممكن من أصوات الناخبين بإقناعهم بحقائق اغلبها لا صلة له بالواقع، فبعض مكونات المجتمع المدني، التي تسعى وراء كسب الشهرة، وتسجيل مواقف بطولية لم تتوارى عن انتقاد الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية، دون ذكر ولا نقطة ايجابية واحدة.
ويرى مراقبون أن النظرية التي تقوم عليها مختلف الخطابات السياسية، تقوم على وجهة نظر تخدم مصالح القائم على هذا الخطاب، وشيطنة الاخر، وإظهار نفسه على انه المنقذ المنتظر الذي سيجد حلولا لكافة اشكاليات البلاد، وهو ما ساهم بشكل أو باخر في نفور المستثمرين الذي كانوا ينوون الانتصاب في تونس، وهروب من استثمروا فيها، كما ساهم في تكوين نظرة سلبية تجاه التجربة التونسية، التي تثمنها عدة أطراف اقليمية، فيما تشوهها الاطراف المحلية.
وعموما تسببت هذه العوامل مجتمعة في عدة ظواهر خطيرة على تكوين المجتمعات، يعيش المجتمع التونسي حاليا أغلبها، من بينها، تراجع الاقتصاد بتراجع المستثمرين الذي كانت لهم نية الاستثمار في تونس، وتراجع ثقة القوى الاقليمية في السياسيين، بالتالي تراجع عدد الجهات المانحة، ما عدا من لها مصلحة ما في المنح، ومنها أيضا بعض الظواهر الاجتماعية الاخرى كعزوف الشعب التونسي خاصة فئة الشباب عن السياسة، وفقدانه الثقة في السياسيين، وعزوفه على المشاركة في الانتخابات.
في هذا الشأن، دعا وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي زياد العذاري، كافّة الأطراف السياسية والمسؤولين ونوّاب مجلس الشعب إلى ضرورة تجاوز الخطاب السلبي وترويج صورة قاتمة عن البلاد، موضحا أنّ ذلك يؤدّي حسب رأيه إلى نفور المستثمرين.
واعتبر العذاري، خلال مناقشة ميزانية وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، أنّ تحسين صورة البلاد في الخارج يُحسّن تصنيف تونس عالميا في مجال الاستثمار، حسب ما ذهب إليه.
كما أشار إلى أنّ وزارته بصدد العمل على إعداد “بنك المشاريع الخاصة” يشمل خارطة استثمار الخاصّ وإمكانيات وفرص الاستثمار الحقيقيّة في الجهات الداخليّة “حتى نُقدّم رؤية تفصيلية معمّقة تسوّق للوجهة التونسية خلال منتدى الاستثمار 2018″، مضيفا أنّ الوزارة تعمل على الترويج لمنتدى الاستثمار الذي يحضره قرابة 1500 مشارك، وأكّد أنّ منوال التنمية القادم يقوم على تحفيز الاستثمار والتصدير، خاصة بعد تطوّر مؤشرات التصدير بـ18.2%.
ويعتبر محللون ان الخطاب السياسي للمعارضة معطِّل ومدمِّر، فيما يعتبرون خطاب احزاب الحكم مستخِف ويقدم كل طرف مصلحته الضيقة على ما تحتمه المراحلة من تضحيات لكل الاطراف مجتمعة، وليس للمواطن فحسب، ويذهب بعضهم الى ان الخطاب السياسي التونسي أفقد اللغة السياسية قيمتها وقوتها وجاذبيتها في صنع رأي عام يحترم السياسة والأحزاب والفاعل السياسي ذاته”.