ضاعت قضايا التنمية و”قفة المواطن”

في الوقت الذي تتزايد نسب الفقر وتضعف المقدرة الشرائية للمواطن يوما بعد آخر، تتصارع الحساسيات السياسية من أجل التموقع وتتقاذف الحكومة التجاذبات السياسية، وتتكون تحالفات تحت شعارات انتخابية ومصالح حزبية، منشغلة بعدّة ملفات داخلية وخارجية وبتجاذبات حزبية بعيدة كل البعد عن انتظارات المواطن الحقيقية.

هذا المشهد السياسي البائس انعكس على الوضع الاجتماعي للبلاد، وعرقل عجلة النمو الاقتصادي، وألقى بكل ثقله على معيشة التونسي، الذي بقي ضحية خارج طامح الاحزاب، المختزلة في كرسي برلماني أو منصب حكومي.

ففي ظرف اسبوع من الشهر الحالي تم الاعلان عن تحالفين، تكتل فيهما أحزاب الاغلبية البرلمانية، بهدف دعم الحكومة والتسريع في المصادقة على بعض مشاريع القوانين المعطلة، وتعجيل ارساء المسار الانتقالي بكافة مؤسساته، فيما تكتل بعض أحزاب الائتلاف الحاكم مع أحزاب لم تختر لها موقعا واضحا بعد، تقول أيضا ان هدفها دعم الحكومة.

وأعلنت قبلهما عدة أحزاب خاصة أحزاب العائلة الديمقراطية الاجتماعية تكوين تحالفات لتوحيد قواها، والدخول الى غمار الانتخابات بأكثر قوة، لتتجاوز خيبات نتائج المحطات الانتخابية السابقة، وهي الاخرى انصرفت عن قضايا الشعب الحقيقة، الى مطامحها الانتخابية، فيما تواصل أحزاب أخرى انشغالها بتقلباتها الداخلية.

بالتزامن، تأخرت الوعود التنموية في الجهات الداخلية، بل تفاقمت الوضعية نحو الاسوأ على غرار تردي البنية التحتية وتراجع الاستثمار، وارتفاع عدد المعطلين عن العمل وعدد الفقراء، كما تآكلت الطبقة الوسطى وتراجع مستواها المادي والاجتماعي.

و تشير بعض الأرقام الى ان القدرة الشرائية للمواطن التونسي تراجعت بأكثر من 42 بالمائة خلال السنوات الأخيرة في ظل إنخفاض معدلات النموّ الاقتصادي، وقد صُنفت تونس في المرتبة الثالثة على مستوى شمال افريقيا ضمن قائمة المدن الأكثر غلاء.

وكشف بحث علمي أنجزته جامعة تونس أن القدرة الشرائية للتونسيين تتآكل سنويا بنسبة 10%، وهو ما أدى إلى فقدان التونسيين أكثر من 40% من إمكانياتهم، بسبب ارتفاع الأسعار، ونسب التضخم.

وأبرزت الدراسة ذاتها أن الطبقة المتوسطة هي الأكثر استهدافا بهذا الانخفاض، الأمر الذي تسبب في تراجع تصنيف هذه الطبقة ضمن تركيبة المجتمع التونسي من 80 إلى 67%، خلال السنوات الأربع الماضية، ما يعني أن 17.5% من الطبقة المتوسطة في تونس انحدروا فعليا إلى تعداد الفقراء منذ 2012.

وأكدت أرقام رسمية للبنك المركزي التونسي تضاعف حجم القروض البنكية المسندة إلى الأسر التونسية مرتين، ليمر من 10.7 مليار دينار في ديسمبر 2010 إلى 20.8 مليار دينار في مارس 2017.

ويرى مدير المعهد طارق بن جاوية، أن مجمل هذه المعطيات تؤكد بشكل قاطع ترسخ ظاهرة التداين الأسري في تونس وتوسعها بشكل لافت من منطلق حرص المستهلك على تحسين ظروف عيشه.

بدورها، أعربت منظمة الدفاع عن المستهلك في اكثر من مناسبة عن انشغالها من “الارتفاع الفاحش” لأسعار المواد الاستهلاكية (مواد غذائية، مواد تنظيف، خدمات…)، داعية كافة السلط المعنية للتدخل العاجل ولاتخاذ كافة الإجراءات المناسبة والاحتياطات اللازمة للتصدي للظاهرة.

هذا وسجلت نسبة البطالة ارتفاعا حيث بلغت نسبة البطالة لتفوق 15.5 في المائة، خصوصا بين الشباب وحاملي الشهادات العلمية والجامعية، بعد أن كانت 13 في المائة في 2010.

أكد وزير الشؤون الإجتماعيّة محمد الطرابلسي، في جويلية الماضي أن سجل الفقر في تونس ظل على حاله طيلة 25 سنة والمسح يشمل 930 ألف عائلة من أجل إرساء خارطة لمقاومة الفقر، مشيرا الى ان الوزارة بصدد صياغته وتحديثه.

من جهتها أكدت وزير المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي، جملة من الإحصائيات تؤكد وجود تفاوت جهوي واجتماعي بين الأطفال خاصة تلك التي تتعلّق بمعدلات الفقر التي مازالت مرتفعة نسبيا، حيث سجلت أعلى معدلاته في ولايات الوسط الغربي بـ(47.7٪).

مع كل هذه المشاغل التي تؤرق المواطن التونسي، تواصل الاحزاب السياسية والنخب التونسية في الاهتمام بقضاياها التي تلخصت في الانتخابات البلدية وتكوين تحالفات ومتابعة حرب الشاهد على الفساد، وأحيانا متابعة بعض القضايا الدولية كالأزمة الديبلوماسية الخليجية.