الجامية .. اخترقت كل الشعوب وفرّقت بين الأب وإبنه

“تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع” جزء من حديث قال عنه العلماء إنّه ضعيف وربّما يكون موضوعا ثم فسّر البعض على الإقرار بضعفه أنّه يرتكز على شروط عديدة ولا يمثّل تحريما للمعارضة في الإسلام ولكن ورغم كلّ هذا فقد برزت في المملكة العربية السعودية جماعة سميّت بالجامية وكذلك المدخلية قبل أن تنتشر في كلّ أنحاء العالم.

لقدّ فجّرت أزمة الخليج والتحوّلات الكبرى في المملكة العربية السعودية الجدال من جديد حول جماعة الجامية المدخلية والتي تحمل في جرابها كثيرا من التناقض أكثر مما تحمله من الانسجام خاصة بعد تكفيرها لعموم المسلمين ووصفها لكل من يخالفها بالفسق أو الضلالة أو الإرهاب.

وتنتسب الجامية المدخلية إلى شيخين هما ربيع بن هادي المدخلي (ولد بالسعودية 1932)، ومحمد أمان الجامي (1931- 1996) الحبشي.

ونشأت الحركة المدخلية إبان حرب الخليج الثانية بداية التسعينيات، وكانت في صميمها ردة فعل على رفض مكونات التيار الإسلامي فكرة الاستعانة بالولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت، انطلاقا من فتاوى ترفض “الاستعانة بغير المسلم” وهي الولادة التي عبر عنها ربيع المدخلي بكتابه “صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين”.

وانتشرت الحركة في كل ربوع السعودية بدعم من الأسرة الحاكمة التي رأت فيها معادلا موضوعيا للتيار الإسلامي المتنامي، والذي يرفض اجتناب الخوض في السياسة، التي ترغب السلطات السعودية أن تظل بعيدا عن التداول في الساحات العامة بالجامعات والمساجد.

وقد وجدت السلطات السعودية في التيار الجامي ضالتها، فأصبح يقارع كل طروحات التيارات الإسلامية، الخاصة بالشأن السياسي، بمنطق يتخذ من النصوص الشرعية منطلقا له.

وقد مكنت الرعاية الرسمية المداخلة أو “سلفيي الولاء” كما يسمون أنفسهم أحيانا من امتلاك امتيازات داخل المؤسسات التعليمية وفي المساجد والمؤسسات المعنية بالشؤون الدينية، فحلوا في الأماكن التي أقيل منها أو غادرها شيوخ محسوبون على التيارات الإسلامية الأخرى.

بعد حرب الخليج انتشر هذا التيار في كلّ أنحاء العالم الإسلامي ووصل إلى تونس وخاصة الجزائر وانتشر كالنار في الهشيم واستفاد من قربه الدائم من السلاطين والرؤساء حتى أصبح يفتي بأمرهم ويساندهم في كل ما يفعلون مفسّقا ومكفّرا كل معارض للحكم دون نقاش فكره أو رؤيته وأصبح شغله الشاغل التجريح في رجال الدين وشتمهم وسبّهم.

وبرز هذا الفكر في تونس منذ التسعينات وظهر بشكل علني بعد الثورة وساهم بشكل كبير في إدخال بلبلة داخل المساجد وفي الأحياء وفرّق بين الأب وإبنه وبين المسلم وأخيه وتفرّق الرجل عن زوجته حتى انقسم الناس شيعا.

ومع التحوّل خاصة في السياسة الخارجية للملكة العربية السعودية وتقاربه المعلن والخفي من دول كانت تعتبر العدوّ الأول للملكة بقرار الأمراء وفتاوي العلماء مثل الكيان الصهيون ولكن بعد التحولّ تغيّرت الفتاوي وأصبحت أمريكا تحت رئاسة ترامب تقود العالم للسلام وأضحى الكيان الصهيوني الغاصب للأرض العربية من المؤمنين ومن قاومه عليه بالتوبة عن سوء فعله.

فتاوى غريبة وعجيبة على مقاس السلطة في السعودية رغم أنّها تتصادم مع عديد القيم التي كانت إلى الماضي القريب من الثوابت التي لا تراجع عنها مصل التنكّر للمقاومة في فلسطين ولبنان.