تزييف العملة.. تهريب النقد .. والسوق السوداء

تعيش تونس خلال السنوات الأخيرة على وقع وضعية مـالية جدّ حرجة ، في ظلّ تراجع إيرادات عديد القطاعات الإقتصادية، فضلا عن تراجع قيمة الدينار أمام العملات الرئيسية ، في الوقت الذي تطالبُ به بتحقيق التوازن الاجتماعي و الاقتصادي و المالي ..
و لعل انخفاض مخزون البلاد من العملة الصعبة و ازدهار السوق السوداء و تفشي افة تهريب العملة في المقابل يعد من أبرز أسباب تدهور الوضع المالي في البلاد أكثر فأكثر .
و في خضم هذا الشأن، طفح خلال الأيام القليلة الماضية جدل حول تزييف عملة معدنية تونسية ومحاولات ترويجها بمدينة “العلمة” الجزائرية الحدودية مع تونس، ووفق الأنباء المتداولة والتي نشرتها الشروق الجزائرية فإن جماعات إجرامية منظمة من الجانبين الجزائري والتونسي تستغل توافد التونسيين على منطقة العلمة الجزائرية قصد التبضع ، لارتكاب جرائم اقتصادية وإجراء تعاملات مشبوهة.
و يتواجد بمدينة العلمة ، وفق المصدر ذاته، عدد من رجال الأعمال المعروفين بنشاطهم في تهريب السلع المحظورة من الصين.
ويوجد مصنع في الصين ينشط بطريقة غير قانونية، يختص في صك العملة المزيفة، ويتعامل معه بعض الجزائريين الذين ينشطون في مجال الاستيراد، حيث يجلبون منه العملة التونسية المزورة، ويبيعونها بـ”الميزان” لعصابات تونسية، تتولى ضخها في السوق التونسية.
في المقابل، فندت التحريات التي قامت بها الأجهزة المالية التونسية ما تم تداوله من أخبار .
وقال البنك المركزي ، في بيان له، إن الأخبار المتداولة في وسائل إعلام جزائرية، حول تزييف عملة معدنية تونسية ومحاولات ترويجها بمدينة “العلمة” الجزائرية الحدودية مع تونس، لا أساس لها من الصحة وقد فنّدته القنصلية التونسية بعنابة بشكل قطعي.
وفي سياق متصل، قال المسؤول الإعلامي بالبنك المركزي شاكر عطالله، إن البنك المركزي أصدر بيان التكذيب لما تداولته وسائل الإعلام الجزائرية والمحلية حول تداول عملة مزيفة تصنع في الصين بعد القيام بتحريات معمقة من قبل هياكل وأجهزة حكومية مختصة.
ولا يحجب نفي المركزي التونسي لتداول عملات نقدية مزيفة تُصنع في الصين وجود جرائم تزوير العملة في البلاد، حيث تمكنت وحدات الحرس الوطني التابعة لمنطقة الحرس بفريانة في ولاية القصرين الحدودية مع الجزائر، من إيقاف شخص قبل يومين، وبحوزته 4250 اورو مزيفة.
وفي فترات متواترة، تكشف أجهزة الأمن والديوانة عن عصابات تقوم بتزوير العملة وتداولها سواء كانت من فئة الدينار التونسي أو عملات أجنبية على غرار الاورو والدولار.
وحول مسالك طباعة العملة التونسية وحمايتها، قال مصدر مسؤول بالبنك المركزي في تصريح للعربي الجديد إن طباعة الأوراق النقدية أو القطع المعدنية من مختلف الفئات تتم في إطار مناقصة دولية يقوم بها البنك المركزي في دول لها خبرات وتقنيات متطورة في صناعة العملات على غرار ألمانيا وسويسرا، مشيراً إلى أن العملات المطبوعة بطرق رسمية تكون محمية.
من جانب آخر، وللحد من آفتي سوق العملة الموازية والتهريب، طُرح خلال الآونة الأخيرة سحب الورقة النقدية من فئة 50 ديناراً من السوق، كحلّ للحدّ من السيولة في السوق الموزاية.
و في هذا الصدد، أشارت رئيسة منظمة الأعراف، صاحبة الإقتراح، إلى أن “هذه العملية من شأنها أن تكشف العديد من المتهربين والمهربين الذين يتعاملون بهذه الورقة أساساً”.
و للتوضيح فإن سحب الأوراق النقدية الكبيرة يعد من الحلول التي يطرحها الاقتصاديون للحد من السيولة المتداولة في السوق السوداء، مؤكدين أن هذا الإجراء سيمكن الدولة من توفير سيولة مهمة وإجبار المهربين على الدخول تدريجياً في الاقتصاد الرسمي.
و تصل المعاملات نقداً في تونس الى 11 مليار دينار سنوياً ، في الوقت الذي تعاني فيه البنوك من شح في السيولة يعادل 9 مليارات دينار ، وفق بيانات لمنظمة الاعراف.
وكان البنك المركزي قد كشف أخيراً عن المستوى الكبير للمعاملات النقدية في البلاد، داعياً إلى اتخاذ إجراءات للحد من التعامل نقداً ، تتمثل بالاساس في التقليص من التعامل نقداً في الاقتصاد وتطوير أنظمة وطرق الدفع الإلكتروني.
و في هذا الاطار، اعتبر الخبير المالي محمد صالح الجنادي، أن خطة المركزي لمحاصرة السيولة تحتاج إلى اندماج تام للفاعلين والتقنيين والماليين في اعتماد أنظمة وطرق الدفع.
وأضاف الجنادي، في تثصريح للعربي الجديد، أن ارتفاع حجم المعاملات النقدية دليل على اتساع رقعة الاقتصاد الموازي التي فاقت الاقتصاد الرسمي.
كما اشار إلى أن السلطات النقدية والمتعاملين الماليين يتحملون جزءاً من مسؤولية ما آل إليه الاقتصاد المحلي بسبب تأخر تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وذات الأثر الكتابي وتواصل الاعتماد على وسائل الدفع نقداً.
ولفت إلى أن التداول النقدي ساهم في السنوات الأخيرة بشكل كبير في رفع نسب التضخم، مؤكداً أن استمرار عمل محركات الاستهلاك رغم الأزمة الاقتصادية سببه تداول السيولة النقدية المتأتية من الاقتصاد الموازي.
وقال الجنادي إن سحب الأوراق النقدية من صنف 50 ديناراً يمثل حلاً جزئياً لتقليص تداول هذه الأوراق التي يعتمدها المهربون في معاملاتهم، معتبراً أن المركزي قادر على الذهاب تدريجياً نحو تغيير العملة الحالية لامتصاص الأموال المتداولة خارج المصارف وتعزيز السيولة المصرفية بالرغم من الكلفة المالية الضخمة لطباعة أوراق نقدية جديدة.