مطالب بإرساء قانون يحمي المعلّم!

تواترت خلال الفترات الأخيرة حوادث إعتداءات ضدّ مدرسين في المدارس والمعاهد على حدّ سواء، مما خلق عديد التساؤلات حول أسباب تفشّي هذه الظاهرة التي تعدّ حديثة عهد في المجتمع التونسي.
ولعلّ الحادثة التي تعرّض إليه صباح الجمعة 24 نوفمبر 2017 مدير المدرسة الاعدادية مصطفى خريف بجندوبة من اعتداء لفظي ومحاولة الاعتداء الجسدي ، على جدّتها هي خير دليل على تواصل هذه الظاهرة التي ارتفعت وتيرتها في تونس بشكل محير.
وتعود هذه الأحداث على خلفية طرد 4 تلاميذ طردا نهائيا من المعهد بسبب تورطهم في أحداث الشغب الأخيرة إبان احتجاجات التلاميذ ورميهم لزجاجات حارقة و مفرقعات ” فوشيك” داخل المدرسة، مما دفع الإطار التربوي إلى المطالبة بفتح تحقيق جدي في الحادثة الأخيرة و تأمين ظروف العمل.
و ليس ببعيد عن تاريخ اليوم، جدت يوم 26 أكتوبر الفارط حادثة اعتداء تلمیذ يبلغ من العمر 16 سنة الى محاولة طعن أستاذته بالمدرسة الإعدادية 18 جانفي بطبرقة .
وقد تھجم التلمیذ على أستاذته التي تدرس اللغة العربیة بقاعة الأساتذة بالمعھد للانتقام منھا لأنھا حررت في شأنه إنذارا.
وفي هذا النص، قال كاتب عام النقابة العامة للتعليم الثانوي لسعد اليعقوبي إن العنف تطور ووصل الى درجة كبيرة من الخطورة .
و لفت اليعقوبي في ذات السياق إلى أن تفشي العنف بهذه الدرجة سببه غياب الحلول الجدية لمحاربة العنف داخل المؤسسات التربوية، كما أن المقاربة الأمنية التي تتدخل بعد حدوث الاعتداء هي مقاربة ضعيفة وغير مجدية وكذلك المقاربات التربوية الفاشلة التي عجزت عن استقطاب التلميذ والاحاطة به في أوقات الفراغ وحمايته من الانحراف والتحرش وغير ذلك من المخاطر ومع استمرار اللامبالاة فستتفاقم التهديدات التي تستهدف المؤسسات التربوية وبالتالي فإن نقابات التعليم لن تسكت وسوف تتحرك إذا تواصلت حالات الاعتداء في المؤسسات التربوية، وفق تعبيره.
وأضاف اليعقوبي أن حالات العنف نتجت عن تسجيل عدّة نقائص بالمدارس والمتمثلة في عدم توفر حراسة وتأطير إضافة إلى أن ثلثي التلاميذ في تونس يتعاطون المخدرات، على حد تعبيره.
وقال اليعقوبي في هذا الصدد “نريد قانونا صارما لحماية المؤسسات التربوية ويطبق بصرامة أيضا “.
نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد من جهته ندد أيضا بانتشار العنف داخل الوسط المدرسي وتكرر الاعتداءات على المؤسسات التربوية وقال إن الاتحاد لن يسكت على أي اعتداء أو عنف ضد مربينا وسيطالب بسن قانون لحماية المربين.
وفي هذا الإطار، فسر الأخصائي الاجتماعي والنفسي أحمد الأبيض تفشي الإنتهاكات ضد الإطارات التربوية داخل المؤسسات التربوية في تونس ب”غياب القيم الأخلاقية الضابطة للسلوك داخل المجتمع الذي يعاني من أزمة أخلاقية حادة. حين يعتدي التلميذ أو الولي على الأستاذ، فهذا يدل على فقدان الاحترام المتبادل بين الأطراف الثلاث.”
وتابع أن “الكثير من رجالات التعليم اتبعوا مسلك التجارة بالمعرفة، ولا يقومون بتقديم الدروس بالقدر الكافي حتى يجبروا التلميذ على أخذ دروس خصوصية.وبالتالي هذا يضرب مقومات الاحترام في مقتل.”
و أردف في الصدد ذاته أن “الأسرة تخلت عن أدوارها في التربية والتثقيف والرعاية والإحاطة، فالطفل لا يشعر بوجود رقابة عليه، لذلك يفعل ما يحلو له ويدخل في متاهة المخدرات والعنف. والحقيقة أنه في ظل غياب الأسرة يقع الكثير من التلاميذ بين أيادي عصابات المخدرات.. كما أن هناك تقصيرا أمنيا يساهم في انتشار الجريمة والتسيب في المجتمع”.
ومن جهته، أصدر المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية دراسة حول العنف الحضري بتونس، تطرق فيها إلى أهم الأسباب التي ساهمت في انتشار ظاهرة العنف في المدارس، وأرجعها أساسا إلى تقلّص دور الأسرة التأطيري، في ظلّ عمل الأبوين والالتجاء إلى المحاضن و التفكّك الأسري النّاجم عن الطلاق، بالإضافة إلى عدم إشباع الأسرة لحاجيات أبنائها نتيجة تدني مستواها الإقتصادي
وتذهب الدراسة إلى أن للمجتمع دورا في انتشار ظاهرة العنف، بسبب السلطة الأبويّة التي ما زالت سائدة فيه، فنرى على سبيل المثال أنّ استخدام العنف من قبل الأب أو المدرس مباح ويصنف ضمن المعايير الاجتماعية السليمة.
وتذهب النظرية النفسية الاجتماعية، إلى انّ الإنسان يكون عنيفا عندما يتواجد في مجتمع يعتبر العنف سلوكا ممكنا، مسموحا ومتفقا عليه.
وتشير الدراسة إلى أن جزءا من المشكل يكمن في النمط التعليمي السائد الذي يقوم على تمجيد التلميذ النّاجح والتقليل من شأن التلميذ “الفاشل” دراسيا، حسب مقاييس صارمة للنجاح والفشل، تصنف آلاف التلاميذ الذين لا تنطبق عليهم خارج دائرة التوفيق والإنجاز والإطراء، مما يشعرهم بالتهميش والتجاهل والحنق الذي يترجم غضبا وعنفا لفظيا وجسديا.
كما يساهم عزوف الشباب عن دور الثقافة والشباب ونوادي الأطفال، نظرا لغياب البرمجة الثرية والتجهيزات العصرية في خلق واقع من الفراغ والضياع الذي يعشش فيه الإنحراف والضياع والعنف.
كما عاب المعهد عدم وجود التنشيط الثقافي والرياضي وعدم توفر الأنشطة المتعددة التي تشبع مختلف الميولات والهوايات، بالإضافة إلى اعتماد بعض المواد على الإلقاء وغياب الديناميكية والتي يلجأ فيها التلميذ إلى التشويش.
وحول تكرر حالات الاعتداء على الاطار التربوي في المؤسسات التربوية في تونس أكد محمود مفتاح رئيس منظمة التربية والأسرة أنه “لابد من تجريم الاعتداءات خاصة وانها قد طالت المربين من طرف الأولياء والمنحرفين الذين يقتحمون المدارس ويعتدون على الإطارات التربوية”.
وتابع مفتاح أن “هذه الظاهرة خطيرة للغاية، لذلك من الضروري توفير حراسة مشددة حتى لا يدخل الغرباء إلى المؤسسات التربوية ويتم تنظيم اللقاءات بين الأساتذة أو المعلمين والأولياء بشكل منظم وفي أوقات معينة”.
واضاف رئيس منظمة التربية والأسرة “لابد من تسليط أشد العقوبات وتجريم الاعتداء على المربي “، مردفا أنه ” لابد من تحسيس العائلات بالاحاطة بأبنائهم أكثر، حتى لا يرتكب الأبناء مثل هذه الأخطاء”.