مشروع ميزانية 2018 جدل لا نهاية له

لا تزال الأرضية متحركة تحت أقدام الحكومة والمنظمات النقابية منذ الإعلان عن مشروع قانون المالية لسنة 2018 سيما وأن المشروع لا يرضي تطلعات القوى النقابية الكبرى بالبلاد مما ينذر باحتقان متوقع في حال مرر القانون على شاكلته المطروحة.
هذا وقد صعّدت النقابات تهديدها لمستقبل الإصلاحات الاقتصادية التي ستعمل الحكومة على تنفيذها العام المقبل.
ويتفق اتحادا الشغل والأعراف وشريحة واسعة من الخبراء في نقطة قلقهم الشديد من خطط الإصلاح القاسية لا سيما فيما يتعلق بزيادة الضرائب، والتي قد تزيد من تعثر اقتصاد البلاد المنهك أصلا.
وفجّر لجوء الحكومة إلى الخطوات السهلة لإنعاش اقتصاد البلاد المنهك غضب الاتحاد العام التونسي للشغل ، حيث أعلن أمس معارضته الشديدة لجزء من الإصلاحات وفي مقدمتها خفض سن التقاعد من 65 الى 62 عاما بشكل إجباري .
وفي هذا الاطار ، قال نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد إن الحكومة “تسرعت في إطلاق التصريحات المجانية وغير المسؤولة… نحن لم نوقّع على أي اتفاق”
وأضاف أن “العمال الذين ضحوا كثيرا مستعدون للمزيد من التضحية شريطة أن يشمل ذلك جميع الفئات كل بحسب دخله”.
ويترافق هذا القرار مع تجميد الانتداب في القطاع العام في 2018 باستثناء قطاعي التربية والرقابة المالية مع عرض التسريح الاختياري للآلاف من الموظفين لخفض الأعباء المالية.
كما لدى الاتحاد عدة تحفظات أخرى حول حزمة الإصلاحات، ومن بينها مسألة الاقتطاعات المعلنة في الأجور لتخفيف الأعباء الثقيلة على الصناديق الاجتماعية، فضلا عن اقتطاعات على مداخيل الموظفين بعنوان مساهمات استثنائية لدعم موارد الدولة المالية.
وهناك خلافات أخرى ترتبط بخطط الحكومة العام المقبل خاصة في مسألة التوظيف بالقطاع العام وقطاعات التربية والصحة والصناديق الاجتماعية التي تعاني من عجز مالي كبير إلى جانب مكافحة التهرب الضريبي.
ويطالب النقابيون بشكل خاص بإلزام نسبة كبيرة من شركات القطاع الخاص بأداء واجبها الضريبي وضمان التغطية الاجتماعية لجميع الموظفين والعمال.
وكان الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، قد حذر من الإجراءات التي تضمنها مشروع الموازنة على ديمومة المؤسسات الاقتصادية.
وقال الاتحاد في بيان هذا الشهر إن “الضغوط الضريبية الكبيرة التي تضمنها قانون المالية ستؤثر سلبا على نشاط الشركات وقدرتها التنافسية وكذلك الاستثمار وتوفير فرص العمل”.
وأكد اتحـاد الأعـراف أن ما جاء في مشروع الميزانية يمـس من ديمـومة الشركات ويهدد استقرارها ووجودها مستقبلا.
وقد جدد اتحاد الاعراف قبل امس ، على هامش مؤتمره السابع الذي عقده بتوزر باشراف رئيسة المنظمة وداد بوشماوي ، رفض تحميل المؤسسات الاقتصادية تبعات الوضع الاقتصادي الصعب من خلال إثقال كاهلها بضغوطات جديدة يمكن أن تهدد ديمومتها ووجودها وفق ما ورد على لسان بوشماوي.
واستعرضت رئيسة المنظمة في هذا الإطار أبرز اقتراحات الاتحاد حول مشروع قانون المالية لسنة 2018 وكذلك مختلف المبادرات التي تقدم بها لإنعاش الاقتصاد.
ودعت رئيسة الاتحاد مختلف القوى الوطنية وخاصة السياسية إلى الاهتمام أكثر بالشأن الاقتصادي والشروع في مناقشة الإصلاحات الكبرى التي يحتاجها الاقتصاد الوطني بما من شأنه أن يمكن من تجاوز المصاعب الراهنة .
من جهة اخرى ، أكدت بوشماوي لدى افتتاحها أشغال هذا المؤتمر أن السنوات الخمس الأخيرة كانت صعبة على المستوى الاقتصادي وأن ذلك ما تعكسه كل المؤشرات من ارتفاع للدين العمومي وعجز الميزان التجاري ومديونية المؤسسات العمومية وتفاقم ظاهرة التجارة الموازية والتهريب
ويتوقع المختصون أن تؤثر حزمة الضرائب الجديدة التي تأتي في سياق برنامج الإصلاح الذي بدأته الحكومة قبل عام لردم الفجوة الكبيرة في عجز الموازنة، بشكل غير مسبوق على كافة مناحي حياة المواطنين الاستهلاكية.
وتنتظر تونس ميزانية صعبة تقدر بنحو 15 مليار دولار، بزيادة مليار دولار عن موازنة هذا العام، في ظل تحديات التمويل وعوائد الضرائب الآخذة بالتراجع.
وتتوقع الحكومة تعبئة موارد مالية داخلية وخارجية لتمويل جزء من الميزانية بقيمة نحو 5.3 مليار دولار، منها 3 مليارات دولار تمويلات خارجية.
وتطمح السلطات إلى تحقيق نسبة نمو في حدود 3 بالمئة مقابل 2.2 بالمئة متوقعة هذا العام، لكن البعض يشكك في بلوغ تلك النسبة في ظل المؤشرات الحالية.
وقد تعهد رئيس الحكومة يوسف الشاهد الثلاثاء بالمضي قدما في إصلاحات اقتصادية مقررة عام 2018، متحديا معارضة واسعة في الداخل.
وقال الشاهد في كلمته أمام البرلمان مع انطلاق مناقشة ميزانية العام المقبل إن كل الهجمات التي تتعرض لها الحكومة لن تؤثر فيها، ولن نتوانى ولو لحظة في كشف لوبيات ضيقة تسعى لإفشال المسار الإصلاحي.
وشدد على أن الحكومة تبحث عن التوافق مع جميع الأطراف، لكن القرارات الأخيرة سيتم اتخاذها على ضوء المصلحة الوطنية.
وتابع “دائما هناك اتفاق حول تشخيص الأزمة، ولكن وقت الإصلاحات نرى الرفض وهيمنة النزعة القطاعية لكننا لن نتراجع عن الإصلاحات”.