رغم الإرتفاع الضخم لنسب الفقر.. ميزانية “ضئيلة” لوزارة الشؤون الاجتماعية

في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحساسة والحرجة التي تمر بها البلاد، تتجه أرقام نسب الفقر إلى الإرتفاع أكثر فأكثر، ما يكشف حجم الضائقة التي تنتظرهم انطلاقا من العام القادم بالخصوص في ظلّ “الإجراءات الموجعة” التي نصّ عليها قانون مالية 2018 الذي يرتكز على الضرائب بدرجة أولية، مما يعمّق أزمة “الطبقة الفقيرة” التي وقع تناسيها من حسابات حكومة التضحيات التي خفضت في ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية للعام المقبل ..
وقد كشف المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء الهادي السعيدي مؤخرا أن الفقر المدقع يمس حوالي مليوني فقير موزعين على كامل الجمهورية.
كما كشف بحث علمي أنجزته جامعة تونس أن القدرة الشرائية للتونسيين تتآكل سنويا بنسبة 10%، وهو ما أدى إلى فقدان التونسيين أكثر من 40% من إمكانياتهم، بسبب ارتفاع الأسعار، ونسب التضخم ، وأبرزت الدراسة ذاتها أن الطبقة المتوسطة هي الأكثر استهدافا بهذا الانخفاض، الأمر الذي تسبب في تراجع تصنيف هذه الطبقة ضمن تركيبة المجتمع التونسي من 81 إلى 63%،
في المقابل، تواجه وزارة الشؤون الاجتماعية المعنية بدرجة أولى بالفئات الهشة في تونس تحديات تتمثل في الارتفاع الدائم للفئات التي تحتاج الدعم الحكومي من جهة وفي انخفاض ميزانيتها من جهة أخرى.
وتقدر قيمة الميزانية المقترحة للوزارة للعام القادم بحوالي 1355.364 مليون دينار، بحسب وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي.
وانخفضت الميزانية المخصصة للوزارة بنسبة 5.1 بالمئة عن الميزانية الحالية، إذ قدر الانخفاض بأكثر من 72 مليون دينار مقارنة بميزانية العام الحالي.
وفي هذا الإطار، أكد وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي “أن الميزانية المقترحة تشكل عائقا أمام تحقيق أهداف الوزارة”.
فيما استدرك الوزير أن ضعف الميزانية المرصودة لن يحول دون استمرار تقديم الخدمات لصالح ذوي الاحتياجات الخاصة والعائلات الفقيرة وأصحاب الدخل المحدود.
و في ذات السياق، انتقد أعضاء لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بمجلس نواب الشعب قلة الأموال المقترحة لتنفيذ برامج وزارة الشؤون الاجتماعية مقارنة بعدد الملفات التي تعالجها الوزارة.
واكد نواب اللجنة ، على هامش جلسة الاستماع لوزير الشؤون الاجتماعية إن “الميزانية الضئيلة” المخصصة للوزارة “لن تحقق الأهداف المرجوة” خاصة في ما يتعلق بملف الصناديق الاجتماعية والعائلات الفقيرة والفئات محدودة الدخل والتشغيل.
وأكد أعضاء اللجنة أن الملفات المطروحة على وزارة الشؤون الاجتماعية من بين الملفات “الطارئة التي تستدعي إيجاد الحلول العاجلة لا المزيد من التأخير بسبب عدم توفر الأموال الضرورية”.
وقال الطرابلسي إن انخفاض ميزانية الوزارة سببه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد والتي انعكست على المالية العمومية.
وتابع أن “الوزارة ستعمل ما في وسعها من أجل توظيف أمثل للإمكانيات المالية المتوفرة”.
وأفاد أنه تم رصد أموال في ميزانية الوزارة مخصصة لدعم العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل تقدر بـ460 مليون دينار.
وأضاف في السياق ذاته أنه في إطار برنامج النهوض الاجتماعي تم تخصيص 31 مليون دينار لمنح الأعياد الدينية و14 مليون دينار لمنح العودة المدرسية والجامعية.
وقال الطرابلسي إن “برنامج النهوض الاجتماعي يمثل أكبر جزء من ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية”، مضيفا أن “هذه الأموال مهمة لكنها لا تغطي الاحتياجات الحقيقية للعائلات الفقيرة ذات الدخل المحدود”.
وكشف وزير الشؤون الاجتماعية أن كل سنة وخلال عملية تحديث بيانات الوزارة بشأن العائلات الفقيرة يتم تسجيل 7 آلاف حالة جديدة، مشيرا إلى “وجود حالات عديدة لا تنطبق عليها المقاييس وهي مجرد ادعاءات”.
و في خضم هذه المسألة، تعمل تونس على برنامج “الأمان الاجتماعي” الذي يتضمن إحداث بنك معطيات حول العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل والفئات الضعيفة. وتكمن أهمية البرنامج في ضبط معلومات دقيقة وكافية حول 900 ألف عائلة ويضبط خارطة حقيقية للفقر لم يقع تحديثها منذ أواسط تسعينات القرن الماضي.
ومنذ نوفمبر العام الماضي، بدأت الحكومة في الدورات التدريبية بهدف تنفيذ برنامج الأمان الاجتماعي. وقال وزير الشؤون الاجتماعية في تصريحات سابقة، إن برنامج “الأمان الاجتماعي سيحدث نقلة نوعية في علاقة الحكومة بالمناطق المهمشة والمحرومة”.
وتم رصد ميزانية تقدر بـ10 ملايين دينار من أجل تنفيذ البرنامج كما سيشرف على إنجازه 1400 أخصائي اجتماعي موزعين على 264 معتمدية.
وبدأ البرنامج بمرحلة التدريب الميداني للأخصائيين الاجتماعيين في انتظار مرحلة تخزين المعلومات، بهدف مراجعة شاملة لسجلات الفقر في تونس وإنشاء بنك معطيات حول هذه الفئات.
وأوضحت نجاة دخيل مديرة وحدة التصرف بوزارة الشؤون الاجتماعية، أن الهدف من البرنامج هو تحقيق المساواة والعدالة بين جميع الفئات وأيضا التقليص من الأخطاء التي أدت إلى إقصاء المستحقين لدعم الأطراف الحكومية.
كما يسعى البرنامج لإلغاء الانتفاع بالمساعدات بالنسبة إلى العائلات غير المستحقة، إضافة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية والاستثمار الأمثل للمعطيات التي تتعلق بالعائلات التونسية.