زوبعة “المثلية الجنسية” في تونس جدل لا متناه!

لئن كسرت ثورة الياسمين عديد القيود المطوّقة لعنق الحريات وفتحت الأبواب الموصدة أمام الجمعيات و المنظمات الوطنية التي تعنى بالدفاع عن هذه الحريات من أجل ضمان استمراريتها و الحفاظ عليها ، فإن من المنظمات ما استغلت لفظ “الحرية” لتستميت في تمرير ما يحلو لها من الحريات ، حتى وإن خالفت العرف والدين في البلاد..
و لعلّ من أكثر مواضيع “الحريات” التي تندرج ضمن “المحظور” أو غير اللائق طرحه في بلد محافظ كتونس والذي ما انفك يثير جدلا في السنوات الأخيرة ، هو موضوع ‘الشذوذ’ الجنسي أو كما يلقب لدى المنظمات الحقوقية “المثلية الجنسية’ ..
موضوع المثلية في تونس يغوص و يطفو ، حسب ما تقتضيه الفترة، ليتصدر عناوين الأخبار في وسائل الإعلام و مواقع التواصل الإجتماعي في فترات متراوحة ، ثم يعود إلى الركود في انتظار زوبعة جديدة تعيده إلى السقف من جديد.
و تترقب جمعيات الأقليات الجنسية إرساء المحكمة الدستورية على أمل أن تقضي بعدم دستورية الفصل 230 من المجلة الجزائية ، الذي يعاقب لمدّة 3 سنوات اللواط أو المساحقة.
و تتصدّر جمعية “شمس” القوى المدنية المطالبة بوضع حدّ للفصل 230، وسبق أن قدمت مقترح قانون للبرلمان التونسي لإلغاء تجريم العلاقات المثلية.
وقد قدّمت الجمعية في شهر ماي الفارط تقريرًا أمام مجلس حقوق الإنسان قدمت خلاله عرضًا لما تسميه انتهاكات ضد الأقليات الجنسية، كما قدمت جملة من التوصيات أهمها إلغاء الفصل 230 المجرّم للعلاقات المثلية وسنّ قانون لمكافحة التمييز على أساس الميول الجنسية.
و حول مدى دستورية الفصل 230 الأشهر من نار على علم ، يختلف الحقوقيون وخبراء القانون الدستوري في شأنه .
فمن جهة، يؤكد عدد منهم على دستورية الفصل وضرورة المحافظة عليه التزامًا بتعاليم الدين الإسلامي وفق ما نصّت عليه توطئة الدستور، وفصله الأول الذي أكد على أن “تونس دولة دينها الإسلام” وعمومًا احترامًا للنظام العام المجتمعي والأخلاقي في البلاد.
ومن جهة أخرى، يؤكد آخرون على تنصيص الدستور على عدم انتهاك الحياة الخاصة، وعلى حرية الضمير، وكذلك على مبدأ المساواة باعتبار التمييز على أساس التوجه الجنسي شكلًا من أشكال التمييز وفق المعايير الدولية، وهو ما يجعل من الفصل المعاقب غير دستوري.
وقد سبق وأن دعا في سنة 2015 وزير العدل السابق محمد صالح بن عيسى لإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية، وقد قال حينها: “على ضوء الدستور هناك عديد من القوانين المتعارضة مع ما تضمنه من تنصيص على الحريات التي يجب أن تُنقح أو تُلغى بضغط من المجتمع المدني”.
و في رده على محمد صالح عيسى انذاك، قال رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ان “وزير العدل لا يلزم الا نفسه. وطلبه لا يلزم الدولة، وإلغاء القانون لن يتم”.
وكان مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، قد صادق على التقرير الخاص بتونس، بعد إعلان هذه الأخيرة عن قبولها 189 توصية من أصل 248 توّصلت بها، ومن التوصيات المقبولة، هناك تعزيز المحاسبة عن الانتهاكات التي تركتبها قوات الأمن والقضاء على التعذيب، والتوقف الفوري عن فحوص الشرج الإكراهية.
ومن التوصيات التي قبلتها تونس في التقرير الخاص بالاستعراض الدوري الشامل، الذي صودق عليه بمدينة جنيف السويسرية، خلال أشغال الدورة 36 من مجلس حقوق الإنسان، هناك ضمان ألا تؤدي الإجراءات المتصلة بمكافحة الإرهاب وبالأمن القومي إلى الإضرار بحقوق الإنسان، وضمان إجراء تحقيقات في مزاعم التعذيب، وفق ما جاء في موقع المجلس.
كما قبلت تونس مواءمة تشريعاتها المحلية مع الدستور المحلي ومع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، لكنها لم تقبل توصيات إلغاء محاكمة المدنيين أمام العسكريين، والأمر كذلك بخصوص إلغاء تجريم العلاقات الجنسية بين أفراد من الجنس نفسه، إذ تجرم تونس المثلية.
ورحبت منظمة العفو الدولية بموافقة تونس على مجموعة من التوصيات كالتوقف الفوري عن الفحص الشرجي، وهو إجراء يطلبه القاضي من الطب الشرعي لأجل التثبت من حقيقة ممارسة متهم ما لـ”اللواط”، والقطع مع التعذيب، وقالت مسؤولة من المنظمة في بيان صحفي إن تعهدات تونس تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن يتعين على الحكومة أن “تسارع بتنفيذ تلك الإصلاحات حتى يتسنى تحقيق وعودها بإحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان”.
وطالبت المنظمة من تونس التعجيل بإتمام عملية إنشاء المحكمة الدستورية، وأن تعدّل “المجلة الجزائية” بما يكفل أن تكون جميع الفصول المتعلقة بحرية التعبير وحرية العمل الجمعياتي، وكذلك تلك المتعلقة بالتعذيب وعقوبة الإعدام، متماشية مع القانون الدولي، وأن تضمن حقوق الأقليات الجنسية.

سوسن العويني