توجيه إنذار أخير لآفاق تونس

مرتبك، متحرك، وغير مستقر… هي أبرز الصفات التي يمكن أن تلخّص الوضع السياسي التونسي الحالي، ويعتبر محللون أن عدم الاستقرار سيؤثر سلبا على مرحلة الانتقال الديمقراطي، التي لم تتجاوزها تونس بعد، وعلى عمل الحكومة، ويلفتون الى أن الحكومة ابتعدت عن كونها “حكومة وحدة وطنية”، بعد الهزات السياسية الاخيرة والتحالفات الجديدة خاصة بعد تشتت أحزابها، فيما يرى اخرون انه مؤشر جيد على تحرك المشهد السياسي، ودليل على قطع تونس مع سياسة الاملاءات الفوقية.
التحليلات السياسية التي وصفت الوضع بالمرتبك، انطلقت من الأحداث السياسية الأخيرة التي قامت على مغادرة بعض الأحزاب للحكومة، على غرار الحزب الجمهوري، ودخول أخرى لوثيقة قرطاج، ويذهب بعضهم الى إمكانية إجراء تحوير وزاري يتماشى مع المشهد الذي تشكل حديثا، وخاصة تذبذب حزب افاق تونس بين داعم للحكومة ومعارض لها في الوقت نفسه.
ويرى مراقبون ان افاق تونس جعل من نفسه جهة غير مرغوب فيها، وجعل من بقائه في الحكم مسألة وقت لا غير، حيث شنّ الحزب حملة انتقادات كبيرة على الحكومة وأحزابها، كما انتقد بعض القرارات، ملمّحا أيضا، إلى أنه يختلف جوهريا مع حركة “النهضة” بخصوص ما يسميه بـ”الخلاف المجتمعي”.
واُعتبر الحزب “متمردا” على الائتلاف الحكومي، رغم أنه طرف فيه منذ حكومة الحبيب الصيد، وبرزت معارضته، أكثر من مرة، خلال مناقشة قوانين مهمة في البرلمان، إذ اختار الاصطفاف إلى جانب المعارضة، واُتهم بازدواجية الموقف، بين مشاركة معلنة و معارضة معلنة أيضا للتوجهات و القرارات الحكوميّة في تناقض واضح مع ما يفرضه لا فقط الوضع الحساس الذي تمر به البلاد بل ومع مبدأ التضامن الحكومي نفسه.
من جهته وبعد أن صار بقاؤه في الحكومة غير مضمون، سارع رئيس حزب افاق تونس ياسين ابراهيم خلال أشغال مجلسه الوطني الى التأكيد على رغبته في البقاء ضمن حكومة الوحدة الوطنية التي يمثله فيها وزير التكوين المهني والتشغيل، فيما تؤكد المؤشرات والكواليس السياسية أن بقاءه في الحكومة مسألة وقت فقط.
واكدت مصادر خاصة لـ”الشاهد”، توجيه إنذار أخير لحزب افاق تونس، بأن يلتزم بالإتلاف أو يغادر، إنذار يأتي على خلفية الانتقادات الاخيرة التي يطلقها الحزب ضد حكومة التي يشارك فيه بممثله وزير التكوين المهني والتشغيل، وضد شريكه في الحكم حركة النهضة.
وكان ابراهيم قد أعلن في جويلية الماضي عن إمكانية خروج حزبه من الحكومة، وأن الحزب “اتخذ خطوة إلى الوراء من الائتلاف، وهي خطوة تقييمية لوجوده في هذا التوافق”، داعيا من سماهم “التقدميين” إلى “التفكير في أرضية مشتركة، خصوصا أن المستقبل يحمل مواعيد انتخابية هامة”.
وأشار المحلل السياسي سليم الحكيمي في تصريح صحفي لـ”الشاهد”، ان افاق تونس يعتبر نفسه قد اُنزل من عرشه، بعد أن كان يمثل أغلبية في حكومة مهدي جمعة حتى أن عدد نوابه قارب عدد وزرائه حينها في سابقة تاريخية.
في المقابل، أكد عضو المكتب التنفيذي لحزب افاق تونس مهدي الرباعي في تصريحه لـ”الشاهد”، على ان حزبه في الحكم وسيظل في الحكم رغم كل الانتقادات، وشدد على ان حزبه سيبقى في الحكم “أحب من أحب وكره من كره”، وان موقف الحزب واضح في البقاء في الحكم حسب ما يخوله له وزنه السياسي.
من جهة أخرى، تشير مصادر اعلامية ، الى وجود خلافات في اوجها بين قيادات ندائية من الصف الاول وبين رئيس الحكومة يوسف الشاهد خاصة بين حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي للحزب وبين الشاهد ، هذا التنافر جعل من رئيس الحكومة الذي كان يحظى سابقا بدعم الحزب الأكبر في البلاد، معزولا سياسيا و بدون حزام سياسي، وتشير هذه المعطيات الى إمكانية إجراء تحوير وزاري ينطلق من المشهد السياسي الذي تشكل حديثا.
في هذا الشأن، قدم القيادي بحركة نداء تونس خالد شوكات، في وثيقة نسبها لحزبه وأسماها بـ”التقييمية لعمل حكومة يوسف الشاهد من سبتمبر 2016 إلى سبتمبر 2017، 6 محاور كبرى أهمها الحرب على الفساد والإرهاب والتحكم في التوازنات المالية.
وخلصت وثيقة تقييم عمل حكومة الشاهد، التي أعدها شوكات والتي نُشرت بصحيفة “الشروق” في عددها الصادر الجمعة 17 نوفمبر، إلى ضعف الأداء على المستويين الاقتصادي والتنموي بتراجع كافّة المؤشرات وعجز الأداء السياسي إضافة إلى عودة الأساليب القديمة التي تقوم على ضبابية في الاتصال.
وجاء في اقتراحات شوكات لمعالجة هذه الأزمة، المطالبة بإسقاط الحكومة الحالية وضرورة التسريع في تشكيل أخرى على قاعدة نتائج انتخابات 2014، مشيرا الى أنّ “حكومة الوحدة الوطنية بتركيبتها الحالية مجرّد تضييع لوقت الأمّة وأنّ النتائج المسجّلة خلال السنة الأولى من عمرها لا يمكن أن تشجّع أي مستشرف للمستقبل على توقّع الكثير منها”.
وقدر أستاذ القانون الدستوري والمحلل السياسي قيس سعيد في تصريح سابق خص به “الشاهد”، وجود صراعات بدائرة السلطة لا أحد ينكرها، مشيرا الى انه لكل طرف من الاطراف المتصارعة حساباته وسياساته.

جابلي حنان