“الخطوط الجوية التونسية” دائمة الجدل..

لا يأت ذكر الخطوط الجوية التونسية إلا ويتبعه الحديث عن الجدل الذي رافقها منذ سنوات العهد البائد وتواصل إلى يومنا هذا ؛ بين سوء سمعتها و تذيلها قائمة شركات الطيران في العالم، ..و ديونها التي فاقت مئات المليارات.. إضافة إلى تخمة من الموظفين الذين ارتأت في أكثر من مناسبة تسريح أعداد كبيرة منهم للتخفيف من الثقل الذي جثم على كاهل المؤسسة .. فضلا عن صفقات مشبوهة مع مصنع ايرباص..وشبهة رشاوي مع الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي..صراع اجنحة ..مصالح خاصة فوق المصالح العامة ….اعلان عن تخفيضات وهمية .. ..رحلات تعلق بسبب شجار بين فنيين وطيارين..تلك ملامح خطة تهدف الى حشد عوامل الإفلاس تمهيدا للبيع ..

وهاهي تطفو إلى السطح من جديد قضية فساد مالي تورط فيها المدير العام المساعد الحالي للشركة علي الميعاوي تتمثل في ضخّ أموال في شركة عماد الطرابلسي تعود إلى قرابة الـ10 سنوات ، دون أن يحال فيها المعنيّ بالأمر على القضاء..

قضية قديمة أُعيد إحياؤها ..

يتناقل عدد من صفحات موقع التواصل الإجتماعي فايسبوك ذات الثقل الجيّد على مستوى متابعيها، أنباء عن هدية من اموال التونيسار بقيمة تفوق 588.000 اورو من DGA Tunisair الحالي الى شركة عماد الطرابلسي مقابل حصانة مشبوهة وترقيات متواصلة ، وفق ما تم تداوله ، و تورط فيها المدير العام المساعد الحالي علي الميعاوي وهو من كان لمدة طويلة قبل الثورة وحتى 2012 ممثلا لتونيسار بباريس.

كما نوهت هذه الصفحات إلى أن هذا الملف القديم لم يُفتح كترسانة من الملفات الأخرى و لم يحاسب المورطون فيها لأنهم هم انفسهم القائمون على الناقلة الوطنية “المنهوبة” و”يتمتعون بشبكة علاقات رهيبة تحميهم من اي مساءلة “، وفق ما تم تداوله.

المساهمة في السطو على التونيسار في الاتحاد الدولي للبنوك.. بلحسن الطرابلسي:

و لعل الضجة التي أثارتها قضية الفساد المالي والتي تورط أطرافا من الطاقم الإداري للتونيسار، تعيد إلى الواجهة سلسلة القضايا ذات الصلة والتي ماانفكت تشغل الرأي العام لمدى حساسيتها ، على غرار ما تم تداوله حول دور صهر الرئيس المخلوع بلحسن الطرابلسي في المساهمة في السطو على شركة الخطوط التونسية في الاتحاد الدولي للبنوك.

ففي مفتتح سنة 2009 كانت شركة الخطوط التونسية تمتلك 11،56 % من رأس مال الاتحاد الدولي للبنوك. وقد كانت الشركة قد تقدمت منذ 31 أوت 2007 بمقترح لسلطة الاشراف للتفويت في الأسهم المذكورة دون ان يحظى المقترح بالقبول. وخلال سنة 2009 طلب الرئيس المخلوع بن علي من الشركة اقتناء طائرة رئاسية جديدة بصورة تتجاوز القدرات المالية المتوفرة للشركة.

و أفاد المدير العام للشركة (ش.ن.) للجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة بأنه تقدم بملف للحصول على التمويلات الضرورية لإتمام عملية إقتناء الطائرة.

وفي هذا الإطار اقترح عليه المستشار السابق لدى الرئيس التقدم بملف قصد التفويت في مساهمة الشركة في الإتحاد الدولي للبنوك قصد تمويل جزء من كلفة الطائرة المزمع اقتناؤها وهو ما قام به في 28 جويلية 2009.

وتبعا لطلب شركة الخطوط التونسية وموافقة مصالح الإدارة العامة للتخصيص وافقت لجنة التطهير بإعادة هيكلة المنشآت ذات المساهمات العمومية خلال اجتماعها المنعقد يوم 30 جويلية 2009 على التفويت في كامل مساهمة شركة الخطوط التونسية في رأس مال الاتحاد الدولي للبنوك.

وتشير الملاحظات المدونة بخط المستشار الاقتصادي للرئيس المخلوع منجي صفرة والتي عثرت عليها اللجنة بمقر رئاسة الجمهورية على نسختين من مذكرة أعدتها الإدارة العامة للتخصيص حول العملية إلى اهتمام مصالح الرئاسة بالموضوع وتنسيق المستشار المذكور خلال مختلف مراحل العملية.

وفي مرحلة أولى تم التفويت في المساهمة لفائدة ثلاثة اطراف وهي شركة SPI وأصهار الرئيس (أ.م.) وبلحسن الطرابلسي بسعر أقل من السعر المعمول به في البورصة خلال يوم البيع.

وفي مرحلة ثانية وقع الاتصال بعدد من المستثمرين المحليين من بينهم رئيس مجمع (م.م) لحثهم على شراء المساهمة المذكورة من عائلة الرئيس. وقد أفاد المدير العام المساعد لشركة الوساطة في البورصة “ماك” (ش.م) بأن المستشار الاقتصادي للرئيس السابق (م.ص) قد اتصل به وأعلمه بأن الخطوط الجوية التونسية ستبيع أسهمها وأن شركة اسمها SPI وصهر الرئيس الفار بلحسن الطرابلسي سيقومان بشراء تلك الأسهم.

وقد تبين في هذا الخصوص أن البنك العربي لتونس قد قدم تمويلا كاملا للعملية بقيمة حوالي 32 مليون دينار وذلك دون الحصول على ضمانات وبصورة تشير إلى الضغوطات التي تمت للغرض.

وباعتماد هذا التمويل فوّتت شركة الخطوط الجوية التونسية بتاريخ 17 أوت 2009 في 2.264.988 سهما للاتحاد الدولي للبنوك بسعر 14.5 دينار للسهم الواحد وذلك بحساب:

975 سهما لشركة SPI المملوكة لكل من ابن وابنة الرئيس الفار بن علي

750 سهما للمدعو بلحسن الطرابلسي
263 سهما للمدعو حمادي الطويل

وتمت عملية البيع بسعر يقل ب5.5 % عن سعر التداول لسهم الإتحاد الدولي للبنوك بالبورصة خلال يوم 17 أوت 2009 والبالغ 15.3 دينار للسهم الواحد. وخلال الفترة المتراوحة بين 27 أوت و11 سبتمبر 2009 قام المعنيون بالتفويت في مجمل الأسهم التي بحوزتهم بأسعار تراوحت بين 17.3 و17.6 دينار للسهم الواحد.

فساد : ساركوزي يورط “الخطوط التونسية”

و في الأشهر القليلة الماضية، طفح على الساحة جدل حول ضلوع الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في قضايا فساد تتعلق ببيع طائرات مدنية واخرى عسكرية وتورط شركة الخطوط الجوية التونسية فيها سنتين قبل الثورة.

وقد بلغت الى صفقة عقدها المصنع الأوروبي للطائرات “ايرباص” مع شركة الخطوط الجوية التونسية سنة 2009 ويبحث المحققون حول ما اذا كان ساركوزي قد تلقى رشاوى للتوسط في هذه الصفقة خلال زيارته الى تونس في أكتوبر 2009 اين تم الاعلان عن حصول صفقة تقتني بموجبها الخطوط التونسية 16 طائرة من نوع “ايرباص” مختلفة الاحجام .

هذا لم يستبعد المدير العام السابق للخطوط الجوية التونسية انذاك “نبيل الشتاوي” في تصريح صحفي له في نوفمبر 2011 امكانية حصول صهر الرئيس التونسي المخلوع صخر الماطري على عمولة من إيرباص للحصول على هذه الصفقة.

وتعد طائرة A330 من أحدث طائرات الشحن العسكري المتعددة المهام حيث يمكنها نقل 270 شخص والعتاد الخاص بالحرب إلى جانب 65 طن من الوقود وكذا بامكانها إمداد 6 طائرات حربية في الجو على علو 4000 كلم.

في قضية بيع الطائرة الرئاسية.. فساد ما بعد الثورة

أعلنت شركة الخطوط الجوية التونسية البارحة 3 ديسمبر 2016 عن توصلها لاتفاق مع نظيرتها التركية Turkish Airlines لبيع طائرة بن علي الرئاسية Airbus A340-500 بمبلغ 181 مليون دينار أي ما يعادل حوالي 80 مليون دولار.

وتعتبر هذه الطائرة المثيرة للجدل من أغلى ممتلكات بن علي التي تمت مصادرتها إبان الثورة التونسية في سنة 2011. ويعود الجدال الدائر حولها إلى تكفل خزينة شركة الخطوط التونسية بشرائها في ديسمبر 2009 وإعادة تصميمها من طائرة تجارية لتصبح طائرة رئاسية خاصة (تمت إعادة التصميم من طرف شركة Louis Vuitton بمبلغ يفوق الـ40 مليون دولار) وهو ما ساهم في تكبد هذه الشركة العمومية خسائر أثرت بشكل كبير على مردودية الشركة وموازناتها المالية في وقت لاحق. ويذكر أن هذه الطائرة مختصة في المسافات الطويلة حيث أنها قادرة على السفر لمدة 19 ساعة دون انقطاع لمسافة 16000 كيلومتر وهو ما ساهم في ارتفاع ثمنها.

جاء في تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة أنه في سنة 2009، قرر الرئيس المخلوع بن علي اقتناء طائرة رئاسية بمبلغ مالي يفوق قدرات شركة الخطوط الجوية التونسية لذلك طلب من مستشاره الاقتصادي المنجي صفرة التفويت في الأسهم التابعة لبنك الاتحاد الدولي و عرضت في سوق الأوراق المالية و تم التنسيق بين الرئاسة و الوسيط في البورصة ماك و مطالبته بالقيام بالإجراءات القانونية اللازمة وهو ما قام به في 28 جويلية 2009. وتبعا لطلب شركة الخطوط التونسية وموافقة مصالح الإدارة العامة للتخصيص، وافقت لجنة التطهير بإعادة هيكلة المنشآت ذات المساهمات العمومية خلال اجتماعها المنعقد خلال يوم 30 جويلية 2009 على التفويت في كامل مساهمة شركة الخطوط التونسية في رأس مال الإتحاد الدولي للبنوك. ثم أعيد بيع الأسهم إلى صهري الرئيس و تم الاتفاق على أن تخصص الأرباح فيما بعد إلى ابني الرئيس حليمة و محمد زين العابدين بن علي. القضية شملت ايضا الرئيس السابق بن علي و زوجته ليلى الطرابلسي و شقيقها بلحسن وهم بحالة فرار و شملت اسماء محجوب و قد قضي في حقهم بالإدانة.

وكان بن علي قد تسلم طائرة الـAirbus A340-500 بتاريخ 19 ديسمبر 2010 أي بعد يومين من انطلاق شرارة الثورة التونسية بمبلغ يفوق الـ150 مليون دولار وهو ما يعادل في ذلك الوقت حوالي 208 مليون دينار. لكن ثمن هذه الطائرة ارتفع بشكل كبير في الخمس سنوات الأخيرة (ارتفاع أسعار النفط من أبرز الأسباب) ليصبح في حدود الـ533 مليون دولار أي حوالي 770 مليون دينار. وبمقارنة بسيطة، نجد أن شركة الخطوط الجوية التونسية قد فوتت في هذه الطائرة بخسارة تعادل تقريباً الـ600 مليون دينار، وهو ما تتحمله المجموعة الوطنية. لأنه كما ذكرنا، فإن الخطوط التونسية هي التي تكفلت بمصاريف الشراء ، لكن لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر لم تجد اثرا لما يفيد ذلك ولم يقع تقييد الطائرة ضمن اصول الشركة. ومن المفروض ان كل شركة لما تقتني شيءا لابد ان يكون بغاية تحقيق مداخيل وهذه الطائرة لم تحقق منذ شرائها اي مدخول للشركة. فلماذا تم إخفاء الطائرة من حسابات الشركة؟

مع العلم وأن اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة كانت قد ارسلت ملف هذه الطائرة للقضاء (إحالة عدد 2193 بتاريخ 20 جوان 2011 وإحالة عدد 12377 بتاريخ 29 اكتوبر 2011) الملف الذي تورط فيه كل من نبيل الشتاوي الرئيس المدير العام السابق للخطوط التونسية والمنجي صفرة المستشار السابق لبن علي.

كما سبق وذكر، تولت شركة Louis Vuitton إعادة تصميم وتهيئة الطائرة لتصبح طائرة رئاسية خاصة (Aménagement Spécial VIP) عوض طائرة تجارية، حيث تم التعاقد مع شركة Sabena Technics المختصة في تهيئة الطائرات وتم إيداع الطائرة بمطار بوردو بفرنسا منذ شهر ديسمبر 2010 لتتواصل الأشغال التي فاقت 100 مليون دينار إلى حدود سنة 2012. ذلك انه بالرغم من قرار مجلس الوزراء بعد الثورة مباشرة القاضي بالتفويت فيها فإن الرؤساء المديرين العامين للشركة لم يتولوا إلغاء عقد التهيئة وواصلوا تنفيذ العقد الذي ابرم في عهد بن علي. كما أن اعمال التهيئة لم تضف قيمة مهمة للطائرة بدليل ثمن التفويت فيها بل ان اعمال التهيئة تسببت في نفور العديد من شرائها وعسرت عملية البيع. وهنا، تدعو منظمة أنا يقظ للتحقيق في ملابسات التفويت في هذه الطائرة وأسباب عدم إيقاف العمل بعقد التهيئة والتصميم.

حسب المعلومات المتوفرة من داخل الخطوط التونسية فإن عملية البيع يتم عرقلتها منذ 2011 بتكليف مشترين وهميين برفع الأسعار كلما تقدم مشتر حقيقي للطائرة ثم المماطلة في الرد على المراسلات الرسمية الخاصة بعملية البيع حتى تسقط الآجال وتضطر الدولة لإعادة الاجراءات مرة أخرى.

فمن يقف وراء هذه العرقلة؟ هل هو المالك الأصلي للطائرة على افتراض انه لا يزال يملك مثل هذا النفوذ؟ ام هي أطراف في الدولة تريد لهذه الصفقة ان تدخل طي النسيان لتتمتع شخصيا بالطائرة؟ ام هو دليل آخر على سوء التصرف في الاملاك المصادرة وسوء التعامل مع هذا الملف رغم عائداته المفيدة للمجموعة الوطنية؟

الرئيس المدير العام للخطوط التونسية : لا يوجد فساد مالي داخل المؤسسة.. وأطراف خارجية تسعى لتعكير أجواء العمل

لعلّ الشبهات التي تحوم حول المؤسسة الجوية التي أطاحت بسمعتها في الحضيض ، دفعت الياس المنكبي رئيس مدير عام الخطوط التونسية للتبرّأ من هذه التهم الموجهة إليها.

و أكد المنكبي ، في حوار له مع الصباح ، أن هناك هجمة فايسبوكية مصطنعة تتعرض اليها الشركة بدعوى وجود فساد مالي ، على غرار الحديث عن صفقة شحن منتوجات تونسية عبر طائرات الخطوط التونسية ، وهو مانفاه رئيس مدير عام المؤسسة .

كما أكد المنكبي ان “كل معاملات المؤسسة تتم في إطار من الشفافية ولا يوجد إلى حد الآن أي إثباتات أو قرائن تؤكد وجود فساد مالي في الشركة رغم فتحي لأكثر من تحقيق ومطالبتي بإجراء تدقيق للمعاملات داخل المؤسسة”.

و في السياق ذاته، لفت الى ان هناك أطراف خارجية تسعى لتعكير أجواء العمل داخل الشركة واستثنى في هذا أبناء الشركة الذين أؤكد دائما على حبهم للشركة ولكن توجد أطراف خارجية للقضاء على الشركة.

سوسن العويني