شساعة الهوة بين الشباب وبين الحياة السياسية

مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي البلدي ، تشتد المخاوف من عزوف من الحجم الثقيل للتونسيين عن الانتخابات البلدية التي يُفترض إجراؤها في 25 مارس 2017 ، وبرغم اختلافاتها النسبية فإن أغلب عمليات استطلاع الرأي التي تنجزها مؤسسات مختلفة تميل إلى التأكيد على هذا المعطى ، سيما على مستوى الشباب الذي اتسعت هوة القطيعة بينه وبين الحياة السياسية منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2014.

و في خضم هذا الشأن، تتوقع إحصائيات وبيانات لمؤسسات استطلاع الرأي ارتفاع نسبة الشباب العازفين عن المشاركة في الانتخابات المحلية القادمة لتبلغ 70 بالمئة من هذه الشريحة العمرية التي تمثل 60 بالمئة من الخزان الانتخابي.

و نقلا عن مؤسسات استطلاع الرأي، فإن نسبة العزوف المتوقعة خلال الانتخابات البلدية القادمة ستبلغ 68.8 بالمئة مقابل 55.2 بالمئة في الانتخابات التشريعية لعام 2014 بينما كانت في الانتخابات الرئاسية48.1 بالمئة.

وأبرزت نتائج التسجيل للانتخابات البلدية التي امتدّت بين 19 جوان و10 أوت 2017 ضعف إقبال المواطنين على مكاتب التسجيل بالنسبة إلى الكتلة الانتخابية الإجمالية التي تتجاوز 7 ملايين ناخب.

وتتصدر الفئة الشبابية التي تتراوح أعمارها بين 18 و21 عاما نسبة العازفين عن المشاركة الانتخابية وهو ما يدل على ملامح قطيعة جديدة للجيل الشبابي رغم الرهانات التي يعقدها الفاعلون السياسيون على هذه الشريحة .

وفي هذا الإطار، اعتبر المدير التنفيذي لمرصد شاهد ناصر الهرابي أن ضعف إقبال الشباب التونسي على التسجيل في الانتخابات البلدية القادمة يعود إلى فشل الاستراتيجية الاتصالية لهيئة الانتخابات.

و نوه ، في سياق متصل، بأن “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فشلت في إيجاد إستراتيجية اتصالية من أجل التعريف بمزايا الانتخابات البلدية وكيفية تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للمواطن”.

وعن المجهودات التي قام بها مرصد شاهد في إطار التوعية بأهمية الانتخابات البلدية، قال الهرابي: “قمنا بزيارات ميدانية إلى العديد من المناطق في كافة أنحاء البلاد، ولمسنا أن عددا كبيرا من الشباب لا يعرف تأثير الانتخابات البلدية على حياته العامة وشؤون يومه ونعتبر ذلك تقصيرا من قبل الهيئة المشرفة على إنجاز الانتخابات”.

وتابع في ذات الصدد “مازلنا في تونس نستعمل أساليب قديمة في توعية الناخب واستقطابه وهي توزيع قصاصات وإعلانات على وسائل الإعلام وهذا في اعتقادي غير كاف”.

كما دعا الهرابي إلى ضرورة التواصل الشفوي المباشر مع الشباب التونسي من خلال تنظيم ملتقيات محلية تسلط الضوء على الفوائد المباشرة التي ستعود على الناخب بعد مشاركته في الانتخابات البلدية وما سيخسره في حالة عدم المشاركة.

وأشار إلى أن “عدد المسجلين للاقتراع في الانتخابات البلدية القادمة بلغ 5.337.845 ناخبا يتوزعون بين 2.559.953 امرأة و2.813.892 رجلا”.

وبلغت نسبة المسجلين من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بينهم 18 و21 عاما 175.826 ناخبا من مجموع 5.337.845 مسجلين، لتبلغ بذلك نسبة الشباب المزمع مشاركته في الانتخابات البلدية القادمة 3.27 بالمئة من مجموع سجل الناخبين وهي نسبة ضئيلة جدا، بحسب الهرابي.

وعموما يعود عزوف الشباب عن التسجيل للاقتراع في الانتخابات البلدية، في نظر العديد من الباحثين والمهتمين، إلى ضعف الأداء السياسي للأحزاب، وضعف الخطاب السياسي القادر على استقطاب هذه الفئة، إلى جانب فقدانهم الثقة في السياسيين.

ويقول في هذا الصدد رفيق الحلواني رئيس شبكة مراقبين » انه يوجد عزوف عام من المواطنين ومن الشباب. وذلك لعدة اسباب منها فقدان الثقة في الطبقة السياسية، إذ ان الشاب التونسي اصبح يردد هذه العبارات التي مفادها انه تم خذلانه في الانتخابات السابقة وانه مجرد رقم في الانتخابات وصوته لن يغير من مستواه الاجتماعي إذا ما شارك في الانتخابات.

وأضاف الحلواني ان مقاطعة المحطات الانتخابية والشأن السياسي من قبل الشباب تحول الى «عقلية» يجب محاربتها حتى لا تستقيل هذه الفئة سياسيا مؤكدا ان اقناع الشباب الفاقد للأمل اليوم في المشاركة في الانتخابات البلدية امر صعب رغم ان الأمر يتعلق بمدينته و»حومته» او قريته.

وتابع ان الشاب يرفض ان يكون مجرد صوت او أصوات توظف في الانتخابات وذلك بسبب الوعود الكاذبة التي تم تقديمها من قبل البعض في الانتخابات السابقة.

لذلك فإن عزوف المواطنين عامة، والشباب بشكل خاص، عن المشاركة في العمل السياسي،لا يعني فقط رفضهم للنهج الذي تتخذه هذه الأحزاب ، ولكنه أيضًا يعني رفضهم أن يكونوا مجرد أصوات توظف في الانتخابات أو من أجل تحقيق مصالح ليس مضمونًا أن تكون من صميم مصالحهم أو مصالح مجتمعهم، بل قد تكون مصالح أخرى يُوظفون لتحقيقها.

بل قد تكون هذه المصالح ضد الأفكار التي يحملونها عن الديمقراطية والحوكمة والشفافية، وعن المشاركة في تدبير الشأن العام وترسيخ الديمقراطية المحلية التشاركية التي تتطلب أكثر من كلمات تُدون في الدستور، أو أحكام واردة في قانون، وإنما تحتاج بنية تحتية داعمة: الحرية والشفافية (خاصة لمكافحة الفساد)، وفضاءات آمنة وتمويل شفاف للحملات الانتخابية وإعلام مواطني مستقل، وكفاءات مسيرة وحركات اجتماعية قوية، وموارد اقتصادية ومالية ومنظمات مجتمع مدني فاعلة تتيح للناس الاتصال ببعضهم البعض وإسماع صوتهم ويكون الشباب الدعامة الأساسية لها.

سوسن العويني