التقارب التركي مع روسيا.. خطوات تكتيكية أم رؤية استراتيجية؟

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2017-09-27 18:49:56Z | | š3

أعاد التقارب التركي اللافت مع روسيا في الفترة الأخيرة، الأنظار إلى ما سيكون ثمرة لهذا التعاون سواء في الفترة القريبة أو على المدى البعيد؛ وأثار تساؤلات عدة لعل أبرزها، هل تكون العلاقات التركية الروسية مرحلية ولحظية وتنتهي بانتهاء المصالح المشتركة التي تحكم التقارب الحالي؟ أم إنّ كلا البلدين يسعى لتحقيق أهداف استراتيجية تصب في مصلحتهما البعيدة؟

وكانت القضايا الاقتصادية وملف واقع ومستقبل سوريا استحوذت على مجمل المؤتمر الصحفي المقتضب والقصير الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي الروسية التي احتضنت قمة الرئيسين الاثنين الماضي.

وعلى وقع التقارب الحالي، يؤكد محللون سياسيون وخبراء في الشأن التركي أنه يعود بشكل أساسي للعامل الجغرافي كون تركيا ورسيا دول جوار والتصالح والتقارب مفيد لكليهما، إضافة لعوامل واعتبارات أخرى.

وفي السياق ذاته، أرجع الباحث في الشأن التركي إبراهيم بوعزي التقارب إلى “دور البلدين في الملف السوري، موضحا أن “تركيا باتت واثقة أنها وحدها في الساحة السورية في ظل الخذلان الأمريكي”.

لم تجد غير روسيا

ورأى بوعزي في حديثه لـ “عربي21” أن “تركيا لم تجد غير روسيا حليفا قويا حتى تتقارب معه”، مضيفا أنها “بادرت بهذا التقارب حتى يتم رفع كل العقوبات على منتوجاتها التي تدخل روسيا، وهو ما تم بالفعل في زيارة أردوغان الأخيرة”.

وشدد أن التقارب التركي الروسي له أبعاد مختلفة، مبينا أنه “على رغم من حرص البلدين لحل الأزمات الراهنة في المنطقة وعلى رأسها الملف السوري، إلا أن التقارب يعتمد بشكل أساسي على البعد الاستراتيجي والاقتصادي”.

اقرأ أيضا: اجتماع وزاري ثلاثي في أنطاليا التركية لبحث الأزمة السورية

وأشار إلى ما صدر مؤخرا من الحلف الأطلسي في إساءة لتركيا قبل أن يضطر للاعتذار، “إلى جانب مماطلة الاتحاد الأوربي والعراقيل التي يضعها لمنع تركيا من أن تصبح عضوا في الاتحاد، إضافة للموقف الأمريكي الأخير من تسليح للجماعات المعادية لتركيا”.

واستبعد أن “تعلن تركيا انسحابها من الحلف الأطلسي كونها القوة الثانية داخل الحلف، مستدركا: “لكن يبدو الحلف نفسه يتجه نحو الانحلال والسقوط، في ظل الحديث داخل الاتحاد الأوربي عن تكوين الجيش الأوربي المشترك، وكأن الحلف الأطلسي انتهى دوره، وتاريخيا لم يبقى أي مبرر لوجود الحلف”.

ترابط شعبي رغم العداء التاريخي

وقال بو عزي إن “الغرب كله أدار ظهره لتركيا الصاعدة التي تحقق نموا اقتصاديا قويا رغم المشاكل الداخلية والخارجية، ويحاول خنقها ومحاصرتها وتركيعها”، متابعا قوله: “لذلك تركيا تلجأ لجارها الأكبر وهي روسيا، خصوصا أنه يوجد بعد مشترك بينهما رغم العداء التاريخي السابق”.

وأكد أن تركيا رغم تقاربها مع روسيا ستبقى محافظة على علاقاتها مع أمريكا والدول الغربية، مشيرا إلى أن “سياسة الحزب الحاكم في تركيا تعتمد على البراغماتية، بمعنى تقديم مصلحة البلد على بعض المبادئ”.

من جانبه، قال المحلل السياسي التركي إسماعيل ياشا إن “العلاقات الثنائية وتحسنها بين تركيا وروسيا أمر طبيعي بحكم أنهما دول جوار وبينهم ترابط جغرافي، إلى جانب العلاقات الاقتصادية والاهتمامات المشتركة في الملفات المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط”.

وأشار ياشا في حديث لـ “عربي21” إلى أنه يوجد استهداف أمريكي لتركيا منذ فترة طويلة وبات واضحا في الآونة الأخيرة، مضيفا: “حتى تحصن تركيا نفسها لابد أن تقوي علاقاتها مع الجوار وقدر الإمكان مع محيطها”.

المزج بين الاستراتيجية والتكتيك

ورأى ياشا أن التقارب التركي مع روسيا “يأتي في إطار المزج بين التكتيك وتحقيق مصالح آنية من خلال التعاون في أزمات المنطقة، وكذلك تحقيق مصالح استراتيجية تخدمها على المدى البعيد”.

وشدد على أن تركيا “تعمل على مبدأ التوازن في علاقاتها والاستقلالية قدر الإمكان، وهو ما تسعى إليه في تقاربها مع روسيا رغم تباين وجهات نظرها مع الروس في عدة ملفات أبرزها حول النظام السوري”، مردفا قوله: “لا نستطيع القول أن تركيا تخرج من المعسكر الغربي وتتجه نحو روسيا”.

واستبعد أن “يكون التقارب التركي مع روسيا مؤقت و”سيزول بعد انتهاء الضغوط الأمريكي، لأننا لا نستطيع تجاهل الجغرافيا”، منوها إلى أن “تركيا حاولت تعزيز علاقاتها مع الدول المحورية الإسلامية في المنطقة، لكن للأسف الدول العربية التي لها ثقل لديها مشاكل وتختلقها، وبعضها يتربص بتركيا”.

ورأى ياشا أن “الخيارات أمام تركيا ليست كثيرة، لذلك تحاول تعزيز علاقاتها مع إيران وروسيا وصربيا ومن ترى أنها تساعدها في مواجهة المؤامرة الأمريكية”، حسب تعبيره.

وأردف قائلا: “تركيا لا تريد الخروج من حلف الناتو للدخول للحلف الروسي، لكنها تسعى للمحافظة على توازنها واستقلالها دون التخلي عن اتفاقياتها المبرمة”، مشددا أن الأتراك لن يتخلوا عن العلاقات الغربية والأمريكية.

تركيا لا تمتلك قوة عسكرية

ورفض المحلل السياسي التركي القول إن تركيا تخرج من معسكر تجاه معسكر آخر، لكنه عاد بالقول: “السعي التركي لاستقلالية القرار يحتاج قوة اقتصادية وعسكرية، وتركيا لا تمتلك قوة عسكرية لذلك تبقى بحاجة لتحالفات لمواجهة المؤامرات والتحديدات ومن هذا المنطق يأتي التقارب التركي مع روسيا وإيران”.

وتابع: “نفس الشيء ينطبق على الاتحاد الأوربي، تركيا لن تتخلى مساعيها للانضمام للاتحاد، لكنها لن تقبل بكافة الشروط الأوربية”، معربا عن أمله أن “تتخلى أوروبا عن سياسة الازدواجية في تعاملها مع تركيا حتى تتحسن العلاقات، لكن إذا استمرت هذه السياسة فإن انضمام إلى الاتحاد الأوربي ليس ضروريا لتركيا”.

وأكد أن “العلاقات التركية الأمريكية تعتمد بالدرجة الأولى على موقف واشنطن، بمعنى المشاكل التي تسبب تدهور العلاقات التركية الأمريكية واضحة وهي دعم واشنطن لحزب العمال الكردستاني وجماعة غولن”.

وتوقع أن تبقى تركيا “مستعدة لمواجهة أمريكا في جميع الأصعدة وبأي طريقة كانت، ولن تسمح لها تمرير مؤامراتها وأجندتها سواء داخل تركيا أو خارجها”، مضيفا “يمكن عمل أي شيء سواء بالتقارب مع روسيا أو العراق أو إيران لأجل إحباط الأجندات الأمريكية”.