عندما يصبح المعارض وزيرا…

تبدو الرغبة في تقاسم أعباء الحكم، التي يدور في فلكها العقل السياسي العربي، أهم مميزات الاحزاب السياسية التونسية، خاصة تلك التي كانت في موقع المعارض الشرس والتي أخرستها مناصب حكومية، وحولتها من رافضة للسياسات الحكومة الى مدافع عنها.

ويبدو النفاق السياسي، أهم الصفات التي غلبت على مواقف الاحزاب السياسية، كما تحدث عن ذلك المحللون السياسيون الذين أكدوا انه خلق مناخا من انعدام الثقة لدى عامة الشعب التونسي، خاصة مع ما تشهده الساحة من سياحة حزبية وسياسية على حد السواء، وتنقل مستمر للاحزاب وقياداتها بين المواقع والاحزاب نفسها.

في المقابل، جمعت بعض الأحزاب رغم تاريخها النضالي، بين اضطراب التموقع والموقف وبين التهميش وحتى التغييب من المشهد السياسي، ويُعتبر حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي أبرز مثال على ذلك، خاصة بعد النتائج المخيبة للامال في انتخابات 2014، ورغم أنه غير ممثّل في مجلس نواب الشعب الاّ أنه استطاع أن بفوز بحقيبة وزارة الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية لرئيسه.

حزب المسار الذي شارك في اول حكومة مؤقتة بعد الاطاحة بالنظام السابق، حكومة محمد الغنوشي، رأى أنه من واجبه المحافظة على استمرارية الدولة ليشارك بعد خروجه منها في اعتصام الرحيل الذي دعا العصيان الشامل ومواصلة تأليف اللجان الشعبية المحلية بغية تكوين المجلس الشعبي الثوري، بهدف حل المجلس التأسيسي وإسقاط الحكومة، وكان الحزب من أهم المؤمنين بأفكاره.

وزير الفلاحة الحالي ورئيس الحزب سمير بالطيب الذي يمثل أفكار الحزب طالما تصدر المشهد الاعلامي بمعارضته للنهضة و التصاقه بالجماهير الشعبية و فقراء البلد قاطني مدن الغبار و الاحياء الشعبية، ملتزما بمساره المعارض المتموقع على يسار السلطة، وُصف بالتلوّن الفجئي بتصريحاته منذ تسلمه الوزارة.

حتى ان البعض دعاه الى اعادة النظر في سياسته و نقد خطبه و مواقفه التي اصبحت مصدر قلق و ازعاج لكل متابعيه ، ويعتبر متابعون للشأن السياسي ان مواقف الحزب تغيرت كثيرا بعد تمكينه من حقيبة وزارية، وتراجع دعمه للحركات الاجتماعية ومساندة القضايا الكبرى للبلاد.

وقال المنسّق العام لحزب المسار الاجتماعي جنيدي عبد الجواد في تصريح لجريدة الصباح أن هدف الحزب كان، من خلال عدّة تجارب كالقطب الحداثي والاتحاد من أجل تونس وجبهة الانقاذ، توحيد القوى الديمقراطية للحفاظ على أهداف الثورة والسير قدما نحو تحقيقها، وقد وصل بنا الأمر الى التضحية بالحزب كتنظيم رغم تاريخه من أجل مصلحة البلاد ومن أجل تجميع القوى الديمقراطية والتقدمية ولذلك تم تغيير اسم الحزب أكثر من مرّة.

وكشف عن إمكانية مغادرة الحزب للحكومة إذا رأى المجلس المركزي ذلك في حالة ان كان التقييم سيئا، لافتا إلى ان الحزب خير لو ان الحزب الجمهوري نسّق معه قبل خروجه من الحكومة كما وقع قبل الدخول اليها، وانه وضعهم في إحراج البقاء في الحكومة أو الخروج منها.

ويرى مراقبون ان الساحة التونسية الداخلية هادئة رغم كل الاضطرابات، وليست الأزمة الخانقة التي تمر بها الدولة إلا بسبب تناحر الأحزاب السياسية وصراعها على المناصب وعلى اقتسام الغنائم ما يجعل الارضية سانحة لثبيت المسار الانتقالي وحتى التسريع فيه، شرط توافق الاحزاب.

الحزب الجمهوري، والاتحاد الوطني الحر، ارتبكا كثيرا في تحديد مواقعهما وتشير التحليلات الصحفية الى انهما، لم يستقرا بعد في موقف واضح من الحكم او المعارضة، حزب افاق تونس، لم يستوعب بعد مكانه السياسي، إن كان في الحكومة وعليه الدفاع عن توجهاتها التي يمثل أحد المسؤولين عليها، أم في المعارضة وعليه انتقادات هذه التوجهات، فبقي في منزلة بين المنزلتين.

جابلي حنان